الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
نظام الحب والبغض
تابع ويتبع
المدنية وما هيه؟
للمدنية تعريفان: أحدهما يبين حقيقتها، والآخر يصف من مزاياها خواصها،
وآثارها وثمراتها، وللقارىء هنا حظه من التعريفين:
كلمة المدنية من الكلمات المحدثة عند المتمدنين، والمقصود منها: (التعاون
في العلوم والأعمال لاكتساب المطالب التي تقتضيها حياة الإنسان النوعية) ، هذا
هو القول الشارح لحقيقتها.
المطالب آلام في آمال، وهي طبيعية للحياة النوعية من جملة سنة الله في
الإنسان، والمدنية طب هذه الآلام، وقد وهم من يزعمون أن المدنية هي مجلبة تلك
الآلام، بل الآلام طبيعية من اقتضاء الآمال التي لا تقف عند حد، وهي من
اقتضاء الفطرة.
وما المدنية إلا علاج تلك الآلام، وتسكين ما هنالكم من الانزعاجات التي
يثيرها الطلب الحثيث لما فوق الحاجات. فلا تقلدوا الواهمين، ولا يلفتنكم شعر
أولئكم الذين يهجون الحياة النوعية - التي يمتاز بها الإنسان - ويمدحون الحياة
الجنسية - التي للبهائم وغيرها - فإن الله ورسله والحكماء براء من الذين يحبون
أن لا تظهر فطرة الإنسان بأبهى مظاهرها.
المدنية: هي التعاون في العلوم والأعمال. والإنسان مدني بالطبع، ولكن
مدنية كل إنسان على مبلغه من العلم والعزم، ومدنية كل أمة على مبلغ أفرادها
النوابغ من النصب في سبيل أمتهم. وكم من امرىء يعيش بين المتمدنين لا حظ له
من الشعور بالمدنية وأسبابها إلا تقليد القوم بمآتيهم، ومآخذهم وشعاراتهم في كل
شيء، بل هذا حظ الجمهور الآن في كل المشرق. وكم من امرىء يعيش بين
المتوحشين فلا يلبث إلا قليلا حتى ينهض بهم في المدنية إلى الدرجات العلى.
علم أسباب المدنية يقال له: (طب الاجتماع) , والعالم بهذا العلم يقال له:
(سياسي) ، وللسياسيين تأثير في العالم كل بقدر، وهم الذين يغيرون بإذن الله
أطوار الأمم من هبوط إلى رفعة، ومن رفعة إلى هبوط؛ ولذلك كان مدار التاريخ
في الغالب على أحبار السياسيين، فالذين أخلصوا لله في مصنوعاته وأحسنوا عملا
رفعوا أممهم، وأمما مع أممهم إلى منازل السعادة، وأوردوهم مناهل السيادة،
أولئك تزدان بهم سور الحمد في كل سفر من أسفار الأمم، وكل عصر من
أعصارهم، وكل مصر من أمصارهم، يمجدهم الجمهور الأعداء كالأولياء،
والوضعاء كالأعلياء، والذين حادوا الله وحادوا في مصنوعاته عن حدود الإخلاص
والإصلاح هووا بأممهم وأمم مع أممهم إلى مهاوي البوار، وثووا معهم في مثاوي
النار، لا تخفف عنهم الأحمال، ولا توزن لهم الأعمال، ولا يبلغون في شيء
الآمال، ومن أخسر عملا ممن كفر بالنعم فأضاعها، وأحاطت به خطيئته؟
المدنية: جمال معقول مع جمال محسوس، عدل وإحسان، أدب وعرفان،
صنائع وبدائع، أموال وبضائع، أفهام وأوهام، آمال وأعمال، جمال وتجمل،
مجد وتمجد، ميزة وتميز.
المدنية: مواهب الإنسان تتجلى للعيان، يشكرها أولو الألباب السليمة،
وينكرها أولو الأذهان السقيمة.
المدنية: رابطة يحشر السياسيون تحت لوائها أقواما كثيرين مختلفين
بالأنساب، مختلفين بالأديان، فهي الرابطة التي يتجلى نفوذها وتأثيرها في حفظ
نظام الاجتماع.
وللرابطتين المارتين - رابطة القومية ورابطة الدين - فضل في تعظيم شأنها
وتكبير سلطانها، وفضل آخر في تهديدها إذا طغت في الميزان، وأسرفت بالإثم
والعدوان، وهي الرابطة التي بواسطتها قامت هذه البنية الحاضرة للاجتماع
البشري العظيم. فاذكروا أيها البشر إذ كنتم في الأوجار، تأكلون الأعشاب
وتخصفون من ورق الأشجار، وإذ فرق بينكم شيطان الشهوات، وأوقعكم في
البغضاء والعداوات، وإذ أنتم اليوم في المدن الزاهرة، والمظاهر الباهرة، ترجون
ما فوق الزرقاء، ويرهبكم ما تحت الغبراء، قد ألفت بينكم قرابة الآمال
والمعاملات، أكثر مما ألفت قرابة الأبدان واللغات، يرحم الكبير الصغير،
والصحيح المريض، وابن البلد ابن السبيل، والآسر للأسير.
واذكروا ما أنتم فيه من الوابور، والبالون، والشمندفر، والتليفون،
والتلغراف، والفونوغراف، والفوطغراف، والليطوغراف، والتلسكوب،
والمكرسكوب، وما هنالكم مما لم نحصه، لتعلموا ما فعلت لكم المدنية من خير وما
رفعت لكم من قدر على الأنعام.
في أقصى المشرق تأخذون نبأ عن أقصى المغرب في لحظة من الزمن لا
تتجاوز أن يطعم الواحد غداءه. من المسافات البعيدة يسمع أحدكم صوت صاحبه
كأنه في حضرته.
إلى حين من الدهر يحفظ صوت أحدكم , ثم يؤديه المستحفظ كما استودعه.
في الدقيقة الواحدة ينسخ لكم ألوف من الصحف السيارة التي تنقل إليكم أنباء
المسكونة وسكانها.
في البر تقطعون مسافة الأيام الكثيرة بساعات قليلة على متن ذلول من الحديد
لا يكل، يطوي بكم البيد طيا.
في البحر على متن الوابور أنى شئتم تسيرون.
في الجو في بطن البالون حيث رمتم تطيرون.
الأرض ألقت إليكم من أفلاذها ما لم تكونوا تعلمون، السماء عرفتم من أسرار
كونها كثيرا مما كنتم تجهلون.
العمي في عهدكم يقرأون، والصم البكم يكتبون، ومن العجماوات عوارف
لما تقولون، فواعل لما تأمرون، توارك لما تنهون وتزجرون.
هذه آثار المدنية، وهذه ثمراتها، ولكن هل بلغ الإنسان فيها الكمال؟ كلا،
فإن كثيرين من البشر لم تدخل المدنية في عهدنا هذا ديارهم، وفي ديار المدنية
يوجد كثيرون غير متمدنين حق التمدن. والمتمدنون أنفسهم لا يزالون سائرين في
طرق التكمل. فلا المدنية عمت كل الأرض، ولا المتمدنون بلغوا الكمال.
وقد عمر الأرض من قبلنا كثير من الأمم كان لهم نصيب من المدنية، ثم
أبادهم ومدنياتهم إفساد السياسيين، وأقام غيرهم مقامهم إصلاح السياسيين. ولم
توجد أمة خلقها الخالق متمدنة، وإنما هو التدرج تراه في كل شيء. سنة الخالق
في خلقه.
فإذا رأيتم اليوم في إحدى الجزائر قوما متوحشين (التوحش يقابل التمدن)
وقد غبي عليكم تاريخهم؛ فلكم أن تظنوا أن التمدن لم يدخل جزيرتهم قط؛ لأن
التوحش سابق دائما، ولكم أن تظنوا أنهم كانوا قد تمدنوا يوما من الأيام، ثم أبادهم
وتمدنهم فسقهم عن الناموس والنظام، كذلك عاقبة الظالمين.
يوجد الآن في الأرض أقوام كثيرة متوحشة، لا يزالون على ما هو قريب من
الأطوار الأولى للبشرية؛ إذا شئتم أن تجدوا فرقا بينهم وبين الحيوانات العليا
يصعب عليكم أن تجدوا ذلك الفرق وذلك أعظم سيئات التوحش.
يوجد أولئكم المتوحشون هذا التوحش في كثير من مجاهل أفريقيا التي لم
تدخلها جيوش الفاتحة الإسلامية، ويوجدون في كثير من فدافد أمريكا التي لم تختلط
بعد بالمكتشفة الأوربية، ويوجدون في مجاهل أوستراليا (الجزائر الأوقيانوسية) ،
وفي جوار القطبين توجد هذه الضالة التي ينشدها محبو السذاجة.
أما الأمم الآسياوية الحاضرة - وفي حكمهم أمم أفريقيا الشمالية - فأكثرهم
وارثون لأسلاف متمدنين. ولكنهم أضاعوا ذلك التراث، ولم يرعوه حق رعايته
فلولا التمدن المستعار الذي وجد بواسطة الأوربيين لصح لنا أن نقول: إن آسيا لا
تفضل أفريقيا في التمدن إلا ببقية من تراث الأولين معرضة للزوال.
فمن أخذته الحمية الآسياوية، وكان حريصا على أن يدعي للآسياويين مقاما
بين المتمدنين يجب عليه أن يرد العواري، ثم لينظر هل يجد ثمة إلا العوار؟
إن يكن في آسيا تمدن غير مستعار؛ فإنه ناقص جدا. الأديان من التمدن وقد
ضعفنا بها علما وعملا. الحكومات من التمدن وقد خسرنا بها حسا ومعنى.
الزراعات من التمدن ونحن لا نتقنها. الصناعات من التمدن ولا خبرة لنا بأنواعها
الكثيرة، التجارات من التمدن وإننا فيها متأخرون، الزينة من التمدن وإننا فيها
مرضى الأذواق، العلوم من التمدن وهي عندنا كاسدة، الآداب من التمدن وهي
لدينا فاسدة، القوانين من التمدن ونحن فيها جامدون، الأعمال العظيمة من التمدن
ونحن فيها خامدون، الاختراعات من التمدن ولكننا فيها موتى، الاكتشافات من
التمدن ولكن لا تسمعون لنا فيها صوتا.
فأعلموني يا رفاقي الآسياويين ما هو تمدننا المحلي الذي نقصه ليس بفاحش
وأنتم بعد ذلك غير محاسبين على النقص القليل؟
ثم هلموا ننظر نظرة في مدنية أوربا وما أوربا؟ - أوربا الزاهرة ذات المدن
الباهرة، والصناعة الفاخرة الماهرة، مقر العلوم العالية، والأعمال الفائقة مهبط
السياسة السامية، وملتقى الساسة النامية.
هنالكم الاختراعات النافعة، والاكتشافات الهادية، على يدهم ظهرت الأرواح
الباطنة، فأصبحت أسرارها سارية في الأجسام الجامدة والجارية , منهم ظهرت
الآلات المنبئة، وبهم تأتيكم أنباء الأمم النائية في اللحظة الواحدة، صحفهم ناشرة
للأنباء الجائبة، والأفكار الدائبة، أولئك هم السابقون في المدنية الرافعة.
هذه أوربا وهذا مجدها , وأنا أريكموها من تلك الجهة الثانية جهة النواقص
التي فيها:
الاستبداد الذي حاربوه، وأهرقوا في سبيل محوه كثيرا من دمائهم لا يزال له
أثر كامن في صدور العلية منهم ومقلديهم من الدهماء. ومن آثاره أنواع التعصبات
الباقية.
الجهل الذي حاربوه بأنفسهم وأموالهم لا يزال بين كثير من طبقاتهم، ومن
آثاره شيوع الفحشاء والرذائل المتنوعة.
الفقر الذي يدأبون وراء إبعاده عن ديارهم لا يزال آخذا بتلابيب أكثر الأفراد
وليس أولو الثروات العظيمة إلا نفرا قليلين في بعض المدن الكبيرة.
ثم إذا صرفنا النظر عن مراقي الحياة النوعية فبم يمتاز الأوربيون؟ هل
طالت أعمارهم؟ هل صرفت عنهم الأسواء من أسقام وآلام؟ هل خفت عنهم أعباء
الحياة التي تقتضي الكد والكدح؟ هل تقدسوا عن البغضاء فيما بينهم؟ هل ترفعوا
عن سفساف الأمور؟ هل استغنوا عن المشرق ألبتة؟ هل بلغوا بعلومهم أن يخرقوا
نواميس الوجود؟ هل بلغوا بها أن يكون عيش أحدهم كله كما يتمنى؟ هل بلغوا
بها أن يرتقوا لعيشة روحية محضة لا نصب فيها ولا لغوب؟ هل بلغوا بها أن
يستغنوا عن الحروب التي هي أليق بالعجماوات منها ببني الإنسان؟ هل بلغوا بها
أن يستخدموا بين الأرواح المدركة كهربائية للإنباء والاستنباء؟
إذا شئت أن أعد كل ما هو من النواقص يطول بي العد والسرد. وفي الذي
ذكرت إشارات كافية للمتبصر تنبهه إلى أمثلة نقصان المدنية الأوربية التي لا يوجد
اليوم للبشر مثلها عند غيرهم من المشارقة والمغاربة الآخرين.
نعم، هم لم يبلغوا الكمال، ولكنهم ساعون لا يألون جهدا بالاكتشاف
والاختراع والبحث والتفكر. ونحن مع نقصنا الفاحش غير ساعين، فهل يليق ذلك
بنا ونحن أبناء الذين ابتدأوا التمدن؟ أليست هذه آسياكم التي ربت في حضنها أشهر
مشاهير الرجال؟
كلا، إن ذلك لا يجدر ولا يحسن بأبناء تلك الأم التي أحسنت تربية كل
المؤسسين الأولين. بل علينا اليوم أن نتفقه في (رابطة المدنية) كما تفقه أسلافنا
من قبل، وكما يتفقه جيراننا ومعاملونا الأوربيون الذين نعدهم أجانب ومبغضين ,
ولا ينفعنا الجمود، ومعاداة كل أشياء الأجنبي باسم الوطن؛ فإن الوطن للبشر واحد
هو دار الأعمال والتكاليف التي تطلب من الكل، وتوزع على الكل، ويتبادلها الكل.
وليس حب الوطن هو الكز على عادات الأسلاف أو الحرص على اللبث في
مساقط الرؤوس كما يفسره جمهور العوام، ولا الإقدام على مجاهدة الذين يريدون
أن تكون لهم سلطة فيه، وإن كانت أنفع من السلطة الأولى كما يفسره جمهور
السياسيين ومقلديهم , فإن كلا المعنيين بعيدان عن الحقيقة التي يحبها الحكماء أولو
الفضيلة وإخوانهم المخلصون من السياسيين. وكم ينشىء السياسيون أشعار حماسة
تفعل في عقول الجمهور فعل الأمراض العصبية، وقد تحقق للعلماء استعداد العامة
الذين لم يأخذوا حظا وافرا من العلم لتلك الأمراض، وما هو على شاكلتها من
الانفعالات للتوهيمات الشعرية والخطابية.
وسوف يرون - حين نفيض في حب الوطن - أن الوطن هو سبيل الله،
وسبيل الله هو الوطن، وتعالى الله عن أن يكون محدودا يؤدي إليه سبيل، أو
محسوسا يدنو منه قبيل دون قبيل، فسبيله الذي يؤدي إلى القرب من منحه القدسية
التي يتسامى ويتكمل بها الإنسان هو استعمال الفكر مبلغ الاستطاعة في تفهم أسرار
الفائضات والمصنوعات الربانية، وإفراغ خواصها وفوائدها في قوالب
المصنوعات الإنسانية، ليكون كل فرد عابدا للصانع الحكيم بمعرفة شيء من
أسرار حكمته، وشاكرا على مواهب نعمته، باستعمال القوى التي في فطرته فيما
خلقت لأجله، من عمل الصالحات لنفسه وإخوته بني نوعه، والله غني حميد.
وهنالكم سنبين كيف اشتبه على الأقوام شكل الحقيقة في الوطن، وكيف
وهموا - تقليدا للسياسيين - في حب شيء ليس بجدير أن يحب، كمساعدة حكومات
جائرة مفسدة على حكومات عادلة مصلحة باسم الوطن الموهوم.
هذا، ولا ينفعنا أيضا تقليد كل أشياء الأجانب باسم التمدن , فإنه لا عصمة
لأمة من الخطأ، ولا يستحق أحد أن يقلد تقليدا محضا، بل علينا أن نستعمل التفكر
ونستهدي بالتجارب، ونساعد في تأييد أنفع الروابط، وإسقاط أضر الروابط للتكمل
البشري.
يومئذ تنقسم الأرض الطبيعية غير هذا الانقسام الصناعي , ويصافح المشرقي
المغربي، والشمالي الجنوبي، على أنهم إخوان متعاونون في العلوم، متقاسمون
للأعمال في دار واحدة فسيحة، يحكم بينهم منتخبون منهم متعددون بنسبة التقسيم
ومتحدون بنسبة التنظيم، لا يحارب بعضهم بعضا باسم القوميات، ولا باسم الأديان،
ولا باسم الديار والأقاليم، وإنما تحارب قوتهم العامة من فسق منهم عن أمر العهد
العام، والنظام الشامل.
هذه نسخة من صورة الكمال للتمدن؛ فانظروا ما أجملها! وتفكروا فيها إن
كنتم تحبون الجمال والكمال، وأما الصور الحاضرة فلا والله لا ألفي في واحدة
منهن جمالا، ولا أتصور فيهن كلهن كمالا، ولا تطمئن بهن قلوب صحيحة، ولا
تميل إليهن أفكار سليمة.
وإذا كان ميزان هذا الأمر بيد السياسيين فلا يحسن بالناس تركهم أن يفعلوا ما
يشتهون، بل ليكن شرع وقانون، ليكن رقباء عارفون، ليكن نواب محاسبون،
ليكن إخاء عام وتعاون عام، وعهد عام، ونظام عام، ووطن عام، وسلم عام، في
ظل قوة عامة ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ (الأنفال:
25) واعلموا أن الإنسان بتلك النعمة جدير، والله على كل شيء قدير.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ع. ز
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>