تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوسائل الآن، فإن مسألة الخلافة كانت مسكوتا عنها، فجعلها الانقلاب التركي

الجديد أهم المسائل التي يبحث فيها، ولولا كثرة التخبط وتضليل الرأي العام بأكثر

ما كتب فيها لآثرنا السكوت على القول مع السعي إلى ما نرى من المصلحة فيها

بالعمل، ولكن وجب التمهيد له ببيان الحقائق، وإن جعلت موضع البحث والمراء

باختلاف الآراء والأهواء، وحسبنا أن نذكر حزب الإصلاح بما يعتن له من

العقبات من حزبي التقاليد والعصبيات، وبما يجب أن يعد للعمل من القواعد

والبينات.

***

19 - حزب المتفرنجين:

بينا في المقالة الثالثة من مقالات (مدنية القوانين) مرادنا من التفرنج وأهله

وأن منهم المرتدين المجاهرين بالكفر والمسرين به، ومداركهم في حكومة الإسلام

وشريعته. ونقول هنا أيضا:

إن ملاحدة المتفرنجين يعتقدون أن الدين لا يتفق في هذا العصر مع السياسة

والعلم والحضارة، وأن الدولة التي تتقيد بالدين تقيدا فعليا لا يمكن أن تعز وتقوى

وتساوي الدول العزيزة. وهؤلاء كثيرون جدا في المتعلمين في أوربة وفي المدارس

التي تدرس فيها اللغات الأوربية والعلوم العصرية، ورأي أكثرهم أنه يجب أن تكون

الحكومة غير دينية، وحزبهم قوي ومنظم في الترك وغير منظم في مصر، وضعيف

في مثل سورية والعراق والهند، ورأيه أنه يجب إلغاء منصب الخلافة الإسلامية من

الدولة، وإضعاف الدين الإسلامي في الأمة، واتخاذ جميع الوسائل لا ستبدال الرابطة

الجنسية أو الوطنية، بالرابطة الدينية الإسلامية، والترك من هؤلاء أشد خصوم إقامة

الإمامة الصحيحة في الدولة التركية.

وقد بثت جمعياتهم الدعوة في الأناضول - مهد النعرة الإسلامية - إلى العصبية

العمية بالأساليب التي لا يشعر الجمهور بالغرض منها، وقد أشرنا من قبل إلى

بعضها، فكان لها التأثير المطلوب: كان التركي هنالك إذا سئل عن جنسه قال:

مسلم والحمد لله. وبذلك يمتاز من الرومي والأرمني. وأما الآن فصار يجيب بأنه

تركي. وكان لا يفهم من وجوب الخدمة العسكرية إلا طاعة خليفته وسلطانه في

الجهاد في سبيل الله، فبثت فيه فكرة القتال في سبيل الترك ووطن الترك لمجد

الترك، وقد اطلعنا في هذه الأيام على قصة (قميص من نار) للكاتبة الإسرائيلية

النسب التركية السياسة والمذهب، خالدة أديب وزيرة المعارف في حكومة أنقرة،

وقد أنشأتها لبيان كنه الحركة الوطنية في الأناضول التي أنشئت لمقاومة سلطة

الآستانة وإخراج اليونان من البلاد وتأمين استقلالها، فألفيناها مصورة لما ذكرنا، لم

نر فيها كلمة واحدة تدل على فكرة الجهاد الإسلامي ولا الروح الديني الذي كنا نعهد.

على أن فريقا من هؤلاء المتفرنجين يرى أن وجود منصب الخلافة في الترك

يمكن الانتفاع به من بعض الوجوه السياسية والأدبية وغيرهما إذا كانت الخلافة

صورية أو روحانية لا سلطان لها في التشريع ولا في التنفيذ، بل ينحصر نفوذها

في الدعاية السياسية للدولة من طريق الدين، كسلطة البابا والبطارنة وجمعيات

التبشير، وأكثر هؤلاء من أصحاب العصبية الطورانية، الذين يتفقون من بعض

الوجوه مع طلاب الجامعة الإسلامية، فإنهم يطمعون في تأليف أمة كبيرة من

شعوب الشرق الأعجمية المسلمة بجعهلهم كلهم تركا؛ لأنه ليس لأحد منهم لغة

علمية مدونة إلا الفرس الإيرانيون والأفغانيون، وكذا لغة الأوردو في مسلمي

الهند، على أن اللغة التركية فاشية في أكثر بلاد إيران، ومن لم يمكن إدغامه في

الأمة التركية باسم الوحدة الطورانية ورابطة اللغة التركية، فإن من الممكن إدغامه

فيها بالتبع للخلافة الإسلامية، ثم يكون أولاد هؤلاء تركا بالتعليم والتربية تبعا

للحكومة. وحزب العصبية التركية المحضة معارض لحرب العصبية الطورانية

العامة؛ إذ يخاف أن يضيع الترك فيها كما ضاعوا في الجامعة العثمانية أو الإسلامية

بزعمه. وليس من غرضنا هنا تحقيق هذه المسائل ولا انتقادها، بل التذكير بما فيها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣١