تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتبعون حكومتهم فإنما يعترفون لهم بلقب من ألقاب الشرف، لصاحبه نفوذ معنوي

لدى الدول. وإلا فلا معنى لكون الرجل خليفة المسلمين إلا أنه إمام دينهم ورئيس

حكومتهم الذي تجب طاعته عليهم. وتباح دماؤهم في الخروج عليه والاستقلال

بالحكم دونه. وأما المتغلب الذي لا يطاع إلا بالقهر فلا يجوز لغير من قهرهم

الاعتراف له بالخلافة، وإن من العبث بالإسلام أن تجعل إمامته الكبرى مجرد لقب

من ألقاب المدح والشرف.

هذا، وأما البلاد الإسلامية الرازحة تحت أثقال السيطرة الأجنبية كمصر وسائر

أقطار أفريقية الشمالية وسورية والعراق - فليس لها من أمر حكمها أو حكومة دينها

شيء، وليس فيها جماعة تتصرف في ذلك بحل ولا عقد، فلو أن رؤساء الحكومة

والشعب في قطر منها - وهم الذين كانوا لولا السلطة الأجنبية أهل الحل والعقد فيها -

أرادوا أن يبايعوا خليفة في بلاد الترك أو العرب مثلا مبايعة صحيحة، وهي ما

توجب عليهم أن يكونوا خاضعين لسلطانه، مطيعين في أمورهم العامة لأمره ونهيه،

ناصرين له على من يقاتله أو يبغي عليه - لما استطاعوا أن يمضوا ذلك

وينفذوه بدون إذن الدولة الأجنبية المسيطرة عليهم، وهي لن تأذن وإن كانت تدعي

أنها لا تعارض المسلمين في أمور دينهم، وأنها تاركة أمر الخلافة إليهم.

وأما الأفراد والجماعات الذين ليس لهم رئاسة ولا نفوذ في قيادة الشعب، ولا

يستطيعون أن يطيعوا إذا بايعوا، كأن ينفروا إذا استنفروا، وينصروا إذا

استنصروا - فقد يسمح لهم في بعض هذه الأقطار أن يقولوا ماشاءوا، وفي بعضها

لا يسمح لهم بذلك. ورأي السواد الأعظم من المسلمين في كل قطر من هذه الأقطار

مخالف لرأي الدولة المسيطرة عليه، ومن ذلك مبايعة بعض الأفراد والجماعات

المصرية والهندية للخليفة التركي الجديد، ولو أراد مثل ذلك أهل تونس والجزائر

لما أبيح لهم مع علم فرنسة المسيطرة عليهم أن هذه المبايعة لا يترتب عليها اتباعهم

لحكومته التركية. وأن هذه الحكومة نفسها غير تابعة لخليفتها، بل هو تابع لها

وموظف عندهم وهي التي تحدد عمله ووظيفته.

وصفوة القول أن الشعوب الإسلامية المقهورة بحكم الأجانب ليس لها من

أمرها إلا ما يجود به عليها الأجانب القاهرون لها. ولا يمكنها أن تساعد على وحدة

الأمة التي تتوقف عليها وحدة الإمامة، إلا من طريق بث الدعوة وبذل المال، وأن

الشعوب المستقلة لا مطمع الآن بجمع كلمتها بترك التعصب لمذاهبها ولجنسيتها،

وإيجاد خلافة صحيحة قوية توحد حكومتها. وأقرب منه عقد موالاة ودية أو

محالفات سياسية عسكرية بينها، وقد بدأ بذلك الأعاجم منها. وأما العربية فقد عز

إلى اليوم التأليف بينها، فإذا يسره الله تيسر اتفاقها مع غيرها، وكان ذلك تمهيدا

للإمامة العامة التي تجمع كلمتها كلها.

ومن ذا الذي يطالب بإعادة تكوين الأمة الإسلامية المنحلة العقد المفككة

المفاصل، وبإعادة منصب الخلافة إلى الموضع الذي وضعه الشارع فيه؟ أهل

الحل والعقد - أهل الحل والعقد. ومن وأين هم اليوم؟

***

(استدراك أو تصحيح)

كنا عند كتابة ما تقدم تركنا الكلام على الخلافة العثمانية التركية؛ لأن أصل

السياق فيها، والبحث موجه إلى بيان حالة المسلمين وحكومتهم المستقلة التي لا

يمكن تعميم الخلافة بكفالة الترك لها إلا باتفاقهن عليها، ثم بدا لنا أن نكتب كلمة

فيها ليكون بحثنا تاما جامعا لكل ما تنجلي به المسألة من الجهة الشرعية ومن جهة

المصلحة العملية. وهذا نص الكلمة ومحلها في السطر الثالث من ص 55:

(وأما الدول الأعجمية المستقلة فأولها التركية، وكان المشهور أن الخلافة

انتقلت إلى سلاطينها بنرول آخر خلفاء العباسيين عنها للسلطان سليم الذي أسره

بمصر وحمله إلى الآستانة وتسلسل ذلك فيهم بعد ذلك بالعهد والاستخلاف، حتى

كان من أمرهم في هذه الأيام ما كان، ويقال: إن السلطان محمد وحيد الدين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٧