تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(اللاتعاون السلمي) ويكون فوزها مثالا عظيما لفوز القوة الروحانية والأخلاقية

والحق على الباطل والمادة.

الحالة الحاضرة طبيعية:

وإني أكرر أخيرا ما قلته أولا، وهو أن ما تعمله الحكومة معنا ليس بأمر

عجيب ولا غير منتظر فنلومها عليه أو نتبرم منه، فإن القهر والعنف لقمع الحرية

والحق دأب الحكومات الجائرة وطبعها منذ الأيام الخالية إلى اليوم، ولا ينبغي لنا

أن نمني أنفسنا بتغير الطبيعة لأجلنا.

وهذا الضعف الطبيعي كما يوجد في الآحاد، يوجد في الجماعات، فكم من

الناس من يرد النزر اليسير المغصوب لأنه لا حق له فيه؟ وكيف ننتظر من دولة

أن تتخلى عن قارة تسلطت عليها ووجدتها تدر كالبقرة الحلوب؟ والقوة لا تقبل

شيئا لأنه حق وعدل، بل تنتظر قوة مقاومة مثلها، فإذا تصادمت بها خضعت لكل

طلب مهما كان فاحشا، فالحرب التي نشبت الآن بين البلاد والحكومة فلا بد من

طولها وامتدادها، ولا تأتي النتيجة إلا بعد شق الأنفس، وإن هذا لواضح جلي لكل

بصير، بل عادي مثل سائر أحوالنا العادية، فلا ينبغي أن نعجب معه أو نضجر.

وإني أسلم بأننا لم يصبنا ما أصاب الأمم قبلنا في هذه السبيل من العسف

والظلم ونقص الأموال والأنفس، ولا أدري أهذا لضعف في مطالبتنا بالحقوق

ووهن في سعينا وجهادنا؟ أم لأن ظلم الحكومة لم يبلغ منتهاه بعد؟ المستقبل رهين

بكشفه وبيانه.

وقد علمنا التاريخ أن هذا التزاحم كما يبتدئ في كل زمن متشابها، كذلك

ينتهي دائما متشابها، فالحرية والحق ينتصران ويغلبان، والاستبداد والباطل

يخذلان ويسقطان، فإذا كنا صادقين في قضيتنا وصابرين في ابتلائنا ننجح ونفوز

بلا ريب، وتضطر هذه الحكومة التي تعاملنا اليوم كالمجرمين، إلى أن ترحب بنا

غدا كالأبطال والفاتحين.

الثورة:

إني قد اتهمت (بالثورة) مهلا، ذروني أفهم معنى (الثورة) أهي ذلك

السعي الذي لم ينجح بعد؟ إن كان هذا هو الثورة، فنعم إني (لثائر) ومتمثل بين

يديكم، عاقبوني بأي عقاب شئتم؛ ولكن اعلموا أن هذا السعي إذا تكلل بالنجاح فإنه

يسمى (بحب الوطن) و (جهاد الحرية) فقد كنتم بالأمس تسمون قادة أيرلندة

(ثوارا وعصاة) ولكن أي اسم تختاره اليوم الدولة البريطانية لديوليرا وغريفت؟

أهم ثوار الآن أم أبطال الحرية؟

ولقد قال مرة قائد أيرلندة بارنل: ما زال عملنا هذا يسمى في البداية (ثورة)

وفي النهاية (جهادا وحربا مقدسة للحرية والوطن!) .

ناموس القضاء بالحق:

إنني مسلم، وحسب المسلم يقينا كتابه الذي يؤمن به، فالقرآن يدل على أن

ناموس (انتخاب الطبيعة وبقاء الأصلح) ناموس عام، كما يعمل عمله في الأجسام

والمادة، فيبقى منها الأصح والأصلح للبقاء كذلك يعمل في العقائد والأعمال،

فالأعمال الصالحة تخلد وتثمر، والأعمال السيئة تفنى وتصير هباء منثورا وإذا

وقع بينهما نزاع غلبت الأولى وحلت محل الثانية: {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما

ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} (الرعد: 17) .

ولذا يسمي القرآن العمل الصالح (بالحق) الذي معناه الثبوت والقيام،

ويسمي الشر والسوء (بالباطل) الذي من شأنه أن يزول ﴿إن الباطل كان زهوقا﴾ (الإسراء: 81) .

فالتدافع الذي نراه قائما بين الحزبين سينتهي غدا بفوز الحق والصدق،

وبخسران الباطل والظلم. تلك سنة الله ﴿ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (الأحزاب:

62) ﴿ولن تجد لسنت الله تحويلا﴾ (فاطر: 43) .

وأني لا أدري قريب يوم الفصل أم بعيد؟ ولكنني أرى الجو قد اكفهر وتلبد

بالغيوم، واجتمعت الآيات على سقوط الأمطار، والويل كل الويل لمن يرى الآيات

والنذر ثم لا يأخذ أهبته، ولا يرتق فتقه، ولا يسد ثغره، وإني لأرى الحكومة

من أولئك الذين لا تغنيهم الآيات والنذر فإنها لا تزال متمادية في تيهها وخنزوانتها.

وقد قلت في هاتين الخطبتين: إن الحرية لا ينبت نبتها ولا تستوي على

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٤٨