كالأغنياء. وفي كلا الطائفتين المؤمن الصديق، والمنافق الزنديق.
وأما المستأخرون فالفقير في عرفهم عبارة عن السالك إلى الله تعالى كما هو
الصوفي في عرفهم أيضا، ثم منهم من يرجح مسمى الصوفي؛ لأنه عنده الذي
قطع العلائق كلها، ولم يتقيد في الظاهر بغير الأمور الواجبة، وهذه منازعات
لفظية اصطلاحية، والتحقيق أن المراد المحمود بهذين الاسمين داخل في مسمى
الصديق أو الولي والصالح، ونحو ذلك من الأسماء التي جاء بها الكتاب والسنة
فمن حيث دخل في الأسماء النبوية يترتب عليه من الحكم ما جاءت به الرسالة.
وأما ما تميز به مما يعده صاحبه فضلا وليس بفضل، أو مما يوالي عليه
صاحبه غيره، ونحو ذلك من الأمور التي يترتب عليها زيادة الدرجة في الدنيا - فهي
أمور مهدرة في الشريعة إلا إذا جعلت من المباحات من الأمور المستحبات [5] ،
وأما ما يقترن بذلك من الأمور المكروهة في دين الله من أنواع البدع والفجور
فيجب النهي عنه كما جاءت به الشريعة.
(فصل) وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث
الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين، والنجباء
الثلاثمائة - فهذه الأسماء ليست موجودة في كتاب الله، ولا هي أيضا مأثورة عن
النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا لفظ (الأبدال) فقد
روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن فيهم - يعني أهل الشام - الأبدال أربعين رجلا،
كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا) .
ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب، ولا هي
مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولا عاما، وإنما
توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ، وقد قالها إما أثرا لها عن
غيره أو ذكرا. وهذا الجنس ونحوه من العلم الذي قد التبس على أكثر المتأخرين حقه
بباطله، فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله، ومن الباطل ما يوجب رده. وصار
كثير من الناس فيه على طرفي نقيض: قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من الباطل،
وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق، وإنما الصواب التصديق بالحق
والتكذيب بالباطل، وهذا تحقيق بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من ركوب
هذه الأمة سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة، فإن أهل الكتابين لبسوا الحق بالباطل،
وهذا هو التبديل والتحريف الذي وقع في دينهم، ولهذا يعتبر [6] الدين بالتبديل تارة
وبالنسخ أخرى.
وهذا الدين لا ينسخ أبدا لكن يكون فيه من يدخل فيه من التحريف والتبديل
والكذب والكتمان ما يلبس به الحق بالباطل، ولا بد أن يقيم الله فيه من تقوم به
الحجة خلفا عن الرسل، فينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل
الجاهلين [7] ؛ ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون. فبالكتب المنزلة
من السماء والآثار من العلوم المأثورة عن الأنبياء يميز الله الحق من الباطل ويحكم
بين الناس فيما اختلفوا فيه.
وبذلك يتبين أن هذه الأسماء على هذا العدد والترتيب والطبقات ليست حقا في
كل زمان، بل يجب القطع بأن هذا على عمومه وإطلاقه باطل، فإن المؤمنين
يقلون تارة ويكثرون أخرى ويقل فيهم السابقون المقربون تارة ويكثرون أخرى
وينتقلون في الأمكنة، ليس من شرط أولياء الله أهل الإيمان والتقوى ومن يدخل
منهم في السابقين المقربين لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة، وقد بعث الله رسوله
بالحق وآمن معه بمكة نفر قليل كانوا أقل من سبعة، ثم أقل من أربعين، ثم أقل
من سبعين ثم أقل من ثلاثمائة، فيعلم أنه لم يكن فيهم هذه الأعداد، ومن الممتنع أن
يكون منهم من كان في الكفار.
ثم هاجر هو وأصحابه إلى المدينة وكانت هي دار الهجرة والسنة والنصرة،