تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعداوته وسخطه أزلا وأبدا لكن مع ذلك فإن الله يبغض ما قام بالأول من كفر

وفسوق قبل موته، وقد يقال: إنه يبغضه ويمقته على ذلك كما ينهاه عن ذلك،

وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثاني من الإيمان والتقوى ويحب ما يأمر به

ويرضاه. وقد قال: إنه يوليه حينئذ على ذلك.

والدليل على ذلك اتفاق الأمة على أن من كان مؤمنا ثم ارتد فإنه لا يحكم بأن

إيمانه الأول كان فاسدا بمنزلة من أفسد الصلاة والصيام والحج قبل الإكمال، وإنما

يقال كما قال الله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ (المائدة: 5)

وقال: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (الزمر: 65) وقال: {ولو أشركوا

لحبط عنهم ما كانوا يعملون} (الأنعام: 88) ولو كان فاسدا في نفسه لوجب أن

يحكم بفساد أنكحته المتقدمة وتحريم ذبائحه وبطلان عباداته جميعها حتى لو كان حج

عن غيره كان حجه باطلا، ولو صلى مدة بقوم ثم ارتد كان لهم أن يعيدوا صلاتهم

خلفه، ولو شهد أو حكم ثم ارتد أن تفسد شهادته وحكمه ونحو ذلك. وكذلك أيضا

الكافر إذا تاب من كفره فلو كان محبوبا لله وليا له في حال كفره لوجب أن يقضى

بعدم أحكام ذلك الكفر، وهذه كلها خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع.

والكلام في هذه المسألة نظير الكلام في الآجال والأرزاق ونحو ذلك، وهي

أيضا على قاعدة الصفات الفعلية وهي قاعدة كبيرة، وعلى هذا يخرج جواب السائل.

فمن قال: إن ولي الله لا يكون إلا من وافاه حين الموت بالإيمان والتقوى

فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره. ومن قال: قد يكون ولي الله من كان مؤمنا

تقيا وأن يعلم عاقبته، فالعلم بذلك أسهل، ومع هذا يمكن العلم بذلك للولي نفسه

ولغيره، ولكنه قليل ولا يجوز التهجم بالقطع علي ذلك. فمن ثبتت ولايته لله

بالنص وأنه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له

به النص. وأما من شاع له لسان صدق من الأمة بحيث اتفقت الأمة على الثناء

عليه فهل يشهد له بذلك؟ هذا فيه نزاع بين أهل السنة والأشبه أن يشهد له بذلك،

هذا في الأمر العام.

وأما خواص الناس فقد يعلمون عواقب أقوام بما يكشفه الله لهم. لكن ليس

هذا مما يجب التصديق العام به، فإن كثيرا مما يظن به أنه حصل له هذا الكشف

يكون ظانا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا، وأهل المكاشفات والمخاطبات

يصيبون تارة ويخطئون أخرى كأهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد؛ ولهذا

وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله وأن يزنوا مواجيدهم

ومشاهداتهم وآراءهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله ولا يكتفوا بمجرد ذلك، فإن

سيد المحدثين المخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب رضي الله

عنه، وقد كان تقع له وقائع يردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه

التابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدث الذي يحدث نفسه عن ربه؛ ولهذا

أوجب على جميع الخلق اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته في جميع

أمورهم الباطنة والظاهرة، ولو كان أحد يأتيه من الله ما لا يحتاج إلى عرضه على

الكتاب والسنة لكان مستغنيا عن الرسول في بعض دينه، وهذا من أقوال المارقين

الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع موسى، ومن قال هذا

فهو كافر. وقد قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى

ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم

حكيم} (الحج: 52) فقد ضمن الله للرسول وللنبي أن ينسخ ما يلقي الشيطان في

أمنيته، ولم يضمن ذلك للمحدث، ولهذا كان في الحرف الآخر الذي كان يقرأ به ابن

عباس وغيره: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى

ألقى الشيطان في أمنيته) .

ويحتمل -والله أعلم- أن يكون هذا الحرف متلوا حيث لم يضمن نسخ ما ألقى

الشيطان، فأما نسخ ما ألقى الشيطان فليس إلا للأنبياء والمرسلين؛ إذ هم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٣٩