من زكاها * وقد خاب من دساها} (الشمس: 7 - 10) فالنفس الإنسانية مستعدة
في أصل الفطرة للخير والشر وللفجور والتقوى، على تفاوت في الاستعداد، ولكن
الفلاح والفوز بالسعادة منوط بتزكيتها بالعلم الصحيح وما يترتب عليه من العمل
الصالح، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (خيارهم في الجاهلية خيارهم
في الإسلام إذا فقهوا) والخيبة والشقاء منوطان بتدسيتها أي إهمال صقلها وتزكيتها
بالعلم الصحيح والعمل الصالح، وهو من دس الشيء في التراب مثلا. ولذلك قال
البيضاوي في تفسير: ﴿دساها﴾ (الشمس: 10) أخفاها ونقصها بالجهالة
والفسوق.
فمدار السعادة والشقاء في الإسلام على صقل معدن النفس بالعلم والفضيلة أو
دسه فيما يفسد جوهره من الجهالات والخرافات والرذائل، ومن المعروف عند
الناس كافة أن الجوهر الأدنى يكون بجودة صقله أجمل وأنفع من الجوهر الأعلى
الذي دس في الأرض، ولا سيما الرطبة ذات المواد الملحية. ألم تر أن الذهب
والفضة يفسد جوهرهما بهذا الدس والإهمال، حتى إذا عثر عليهما الناس لا يكادون
يعرفونهما من حيث نرى الصفر المجلو والحديد المصقول يتلألآن كالمرآة فيكونان
أجمل منظرا وأحسن مرتفقا وفائدة للناس من الذهب والفضة المدسيان في السبخة؟
ولكن المعدن الأعلى إذا صقل كما يصقل المعدن الأدنى فإنه يكون أبهج منه منظرا
وأكرم عند الناس استعمالا.
فيجب أن نجعل هذه الحقيقة هي الأصل في تربية المسلمين وتعليمهم، وهي
أن سعادة كل فرد من الأفراد محصورة في تزكيته لنفسه بالعلم والفضيلة والعمل
الصالح وشقاؤه بضد ذلك، وإن من فسدت نفسه وخبثت لا ينفعه زكاة نفس غيره
من الأحياء ولا من الموتى لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى لو أعطي هؤلاء
تصرفا في الكون لما بالوا بمن دسوا أنفسهم وتركوا هداية ربهم اتكالا على أن يعمل
لهم بعض خلقه ما كلفهم أن يعملوه هم لأنفسهم. ومصداق هذا الأصل ظاهر في
الأمم كلها لمن سار في الأرض أو قرأ التاريخ قراءة عبرة.
ولذلك كان فيما وعظ النبي صلى الله عليه وسلم أقرب الناس منه قرابة حين
أنزل الله تعالى عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (الشعراء: 214) أن دعا
بطون قريش وعم وخص، قال: (يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا
أملك لكم ضرا ولا نفعا. إلى أن قال: يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار
فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا) رواه أحمد والشيخان في الصحيحين وغيرهم من
حديث أبي هريرة. وفي رواية لأحمد ومسلم وغيرهما من حديث عائشة أنه قال
يومئذ: (يا فاطمة ابنة محمد يا صفية ابنة عبد المطلب يا بني عبد المطلب لا أملك
لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم) .
مدار النجاة في الإسلام وفي الوثنية:
وجملة القول أن مدار دين التوحيد على أن النجاة في الآخرة بالإيمان والعمل
الصالح، ومدار أديان الوثنية على أن النجاة فيها بتأثير الصالحين عند الله في نجاة
الضالين، وحسبنا قول الله عز وجل في وصف هذا اليوم: {يوم لا تملك نفس
لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} (الانفطار: 19) وحكم الله في ذلك اليوم مبين في
كتابه كقوله الذي أنزله يوم تفاخر بعض الصحابة مع بعض أهل الكتاب: {ليس
بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا
ولا نصيرا * ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون
الجنة ولا يظلمون نقيرا} (النساء: 123-124) والعبرة عند جمهور أهل السنة
بالخاتمة فهم لا يقطعون بولاية شخص معين كالبدوي ولا بدخوله الجنة؛ لأن القطع
يختص من ورد النص بأنهم أهلها كالسبطين سيدي شباب أهل الجنة والعشرة رضي
الله عنهم أجمعين.
فيا أيها العلماء حسبكم إهمالا لأمر عامة هذه الأمة ! بينوا لها حقيقة دينها،
وأنذروها عاقبة هذه الخرافات التي أفسدت عليها دينها ودنياها، أما ترونها تتسلل