تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم نر أحدا رأى فيها ما يضر بالدين أو قام بمعارضتها، والرد عليها وحكم

بكفر صاحبها، ولعنه على المنابر، ولو كان فيها شيء من ذلك لكان الأستاذ السيد

محمد رشيد رضا صاحب المنار الإسلامي أولى بالمعارضة والرد، وهو الذي وقف

محياه ومماته لله رب العالمين، في سبيل إصلاح المسلمين، والذب عن الإسلام

ورد أباطيل المفترين على الدين المبين.

عجيب وأيم الحق! يرتضيها الأئمة الأعلام وجهابذة الإسلام ويتقبلونها

قبولا حسنا، ويأخذون بها ويرجعون إليها في كل عصر ومصر، وتتذمر منها

شرذمة جاهلة تدعي العلم، وليست منه ولا قلامة ظفر، فتقوم لها وتقعد، وتبرق

وترعد، وتهذي وتعوي، وتصرخ وتهرج.

غيرة عظيمة منكم أيها الأدعياء على الدين: تتذمرون من كتب التوحيد

والإصلاح وتنهون عن مطالعتها، وتأمرون بحرقها، وتكفرون أصحابها على

المنابر، والمبشرون اليوم أخذوا ينشرون الرسائل بين ظهرانيكم ويدعون شبانكم

إلى دين النصرانية، ويبثون الدعوة إلى دين التثليث، ونشروا منها ما نشروا في

المدارس الابتدائية والكتاتيب قبل بضعة أيام، وأنتم غاضون راضون صم بكم عمي

لا تتكلمون، ولا نرى أحدا منكم ينبس ببنت شفة أمامهم ويرد مطاعنهم ويذب عن

الدين الحنيف وينتصر له.

وهم يشهدون الطعن في دين أحمد ... وما منهم من غاضب أو معاتب

وتنظرهم ما بين كاس وطاعم ... وتشهدهم ما بين لاه ولاعب

فمن كان منهم غائبا مثل حاضر ... ومن كان منهم حاضرا مثل غائب

وليس لهم هم بغير رئاسة ... وما همهم إلا صدور المناصب

إذا كنتم أيها الأدعياء تزعمون أنكم من خيل حلبة الفضل، وكماة ميدان العلم

والإصلاح، فاكتبوا ردا عليها وادعموه بما عندكم من الدلائل - ولا أراكم قادرين -

فإنا نجيبكم إن شاء الله تعالى على كل ما ترونه في نظركم القاصر مضرا ونبين لكم

خطأكم وجهلكم بالدليل والبرهان، فأي حاجة بعد إلى الصراخ والعواء، والإرعاد

والإبراق والسب والشتم، ومجاوزة الحد في سوء الأدب وتوسيع الدائرة في لعن

العلماء الذين أحيوا الدين وجددوه، وتحريق كتبهم الهادية إلى سواء السبيل؟

فهل يعمد إلى السب والشتم واللغو والهذر إلا عاجز جاهل عيي أو صاحب

هوى يريد أن يفرق كلمة المسلمين ويشتت شملهم ويضعف قواهم في هذا اليوم؟

اليوم نحن في حاجة كبيرة فيه إلى جمع الكلمة والتأليف بين المسلمين الذين

فرقهم أهل الأهواء والمطامع، وعبدة الدينار والدرهم، وعباد الملوك والسلاطين

الجائرين: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ

كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} (آل عمران: 103) .

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... بغدادي

(المنار)

إن محاولة بعض الموصوفين بالعلم جمع بعض الكتب التي لا ترضيهم من

أيدي أهلها وإحراقها ولعن مؤلفيها - فضيحة من أقبح فضائح الجهل والغباوة

والعصبية العمياء، وأمثال هؤلاء هم حجة رينان وأمثاله على الإسلام والمسلمين،

وهم الفتنة التي كانت سبب ارتداد كثير من المتعلمين عن الدين، ومن لطائف

المصادفات أن اضطررنا إلى تأخير نشر هذه الرسالة حتى اتفق وضعها في إثر الرد

على الفيلسوف رينان، ومن شبهاته ما لم يبين تحقيق الحق ومفاسد التلبيس فيه أحد

من أئمة المسلمين كما بينها شيخ الإسلام ابن تيمية كمسألة القدر التكويني والتشريعي

وما يجب الرضا به من الأول وما يجب كرهه ومقاومته (وسيأتي في الجزء الآتي)

فنحن لا نقول لهؤلاء الذين كادوا يجعلون اسم الموصل سبة في التاريخ لو نفذ رأيهم

الأفين: إنكم أخطأتم لأن هذه الكتب من الكتب النافعة، بل نقول لهم: إنكم في بلاد

فيها أديان ومذاهب مختلفة وآراء متباينة، فإذا ساغ لكل من أهلها أن يحرق ما يخالف

اعتقاده أو رأيه من كتبها لم يبق فيها كتاب ديني ولا علمي ولا أدبي ولا تاريخي! وإذا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٢٣