تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجدوا وقتا لفتح البلاد وإصلاح أمور العباد.

وأما السياسة الاجتماعية المدنية فقد وضع الإسلام أساسها وقواعدها، وشرع

للأمة الرأي والاجتهاد فيها؛ لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان، وترتقي

بارتقاء العمران وفنون العرفان، ومن قواعده فيها أن سلطة الأمة لها وأمرها

شورى بينها، وأن حكومتها ضرب من الجمهورية، وخليفة الرسول فيها لا يمتاز

في أحكامها على أضعف أفراد الرعية، وإنما هو منفذ لحكم الشرع ورأي الأمة،

وأنها حافظة للدين ومصالح الدنيا، وجامعة بين الفضائل الأدبية والمنافع المادية،

وممهدة لتعميم الأخوة الإنسانية، بتوحيد مقومات الأمم الصورية والمعنوية، ولما

طرأ الضعف على المسلمين قصروا في إقامة القواعد والعمل بالأصول، ولو

أقاموها لوضعوا لكل عصر ما يليق به من النظم والفروع.

ظهرت مدنية الإسلام مشرقة من أفق هداية القرآن، مبنية على أساس البدء

بإصلاح الإنسان، ليكون هو المصلح لأمور الكون وشئون الاجتماع، فكان جل

إصلاح الخلفاء الراشدين إقامة الحق والعدل، والمساواة بين الناس في القسط،

ونشر الفضائل، وقمع الرذائل، وإبطال ما أرهق البشر من استبداد الملوك

والأمراء، وسيطرة الكهنة ورؤساء الدين على العقول والأرواح، فبلغوا بذلك حدا

من الكمال، لم يعرف له نظير في تاريخ الأمم والأجيال، واستتبع ذلك مدنية

سريعة السير، جامعة بين الدين والفضيلة، وبين التمتع بالطيبات والزينة، ارتقت

فيها العلوم والفنون بسرعة غريبة، حتى قال الفيلسوف المؤرخ موسيو غوستاف

لوبون في كتابه (تطور الأمم) : إن ملكة الفنون لم تستحكم لأمة من الأمم فيما دون

الثلاثة الأجيال الطبيعية إلا للعرب. ويعني بالثلاثة الأجيال: الجيل المقلد، والجيل

المخضرم، والجيل المستقل.

لقد أتى على الناس حين من الدهر وهم يظنون أن المدنية الإسلامية قد ماتت

وبليت فلا رجاء في بعثها، وأن المدنية الإفرنجية قد كسبت صفة الخلود فلا مطمع في

موتها، ثم استدار الزمان، وظهر خطأ الحسبان، وكثر في حكماء أوروبة وعلمائها

من يرتقب اقتراب أجل مدنيتها، بما يفتك بها من أوبئة الأفكار المادية والروح

الحربية، والمطامع الأشعبية، والإسراف في الشهوات الحيوانية، وقد كان من

أساطين أهل هذا الرأي شيخ فلاسفة العصر هربرت سبنسر الإنجليزي مؤسس علم

الاجتماع، وكثر أهله بعد الحرب الكبرى؛ لما ترتب عليها من المفاسد التي لا

تحصى، فقد أرثت الأحقاد والأضغان بين الشعوب الأوروبية، وضاعفت المفاسد

والمشاكل المالية والسياسية، ولكنها قد هزت العالم الإسلامي والشرق كله هزة عنيفة،

وأحدثت في شعوبه ثورات لم تكن مألوفة، فسنحت له فرصة للعمل، هي مناط

الرجاء وقوة الأمل.

إن أعظم مظاهر هذه الفرصة نهضة الشعب التركي من كبوته التي قضت

على السلطنة العثمانية، وتوثيقه عرى الإخاء بين الدولتين الإيرانية والأفغانية،

وبثه دعوة الاعتصام مع سائر الشعوب الإسلامية الأعجمية، ونجاحه في إلغاء

الامتيازات الأجنبية، والنقص من سائر القيود والأغلال السياسية والمالية،

فرجاؤها فيه أن يشد أواخي الإخاء مع الأمة العربية، ويتعاون معها على إحياء

المدنية الإسلامية، بتجديد حكومة الخلافة على القواعد المقررة في الكتب الكلامية

والفقهية، وأن لا يرضى بما دون ذلك من المظاهر الدنيوية، ولا يغتر بتحبيذ عوام

المسلمين لما قرره في أمر الخلافة الروحية، فما أضاع على المسلمين دنياهم ودينهم،

إلا تحبيذ دهمائهم لكل ما تفعله حكوماتهم ودولهم، وناهيك بشعور المسلمين

الذين يئطون من أثقال حكم المستعمرين. إنه شعور شريف، وإنما يعوزه الرأي

الحصيف، فقد كان السواد الأعظم من هؤلاء الملايين يرمي من يخالف أهواء

السلطان عبد الحميد بالخيانة أو المروق من الدين، وهو السلطان الذي أقنع جمهور

ساسة الترك بإسقاط سلطة السلاطين، الذي تحمده اليوم هذه الملايين، وما لهم بهذا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢١٦