تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سيتم استقلالها في هذا العام بمشيئة الله)

وهذا هو الممكن الآن الذي يجب على العالم الإسلامي أن يبادر إلى السعي

إليه، ووضع النظام له والسعي لتنفيذه، وهو فاعل إن شاء الله تعالى، وحينئذ تعلم

الدولة البريطانية إن لم تعلم اليوم أن سمسارا اسمه (ناجي الأصيل) لا يستطيع أن

يضع معاهدة بين حسين بن علي موكله وبين وزارتي المستعمرات

والخارجية البريطانيتين في شأن الحجاز وبلاد العرب بحيث تنفذ على الأمة العربية

والشعوب الإسلامية كلها، وتذل رقاب 300 مليون من المسلمين لها.

لقد أسرفت الحكومة البريطانية في احتقار العالم الإسلامي؛ إذ ظنت أن

خضوع هذا الرجل وأولاده لها يجعلها قيمة ووصية على البلاد الحجازية، وسيدة

للأمة العربية، وستعلم وتعلمون أن هذا الاحتقار، وما يبنى عليه من الأعمال، لن

يفيدها إلا إسراف العالم الإسلامي كله في عداوتها، ويضل سعيها في حمل ناجي

الأصيل على بوارجها الحربية وغير الحربية، في سبيل استخدامها إياه بين لندن

ومكة.

سيعقد مؤتمر إسلامي حر يقرر أمر الحجاز وحكومته وحرسه على القاعدة

التي أشرنا إليها؛ إذ لا سبيل إلى إنقاذه وحريته بدونها، وسيبلغ قراره لحكومة

الحجاز الحاضرة ولجميع الدول ولا سيما ذوات الرعايا من المسلمين، ولا يسع

الدولة البريطانية حينئذ إلا أحد أمرين: إما نصر صنيعتها حسين بن علي عون،

الذي تعهدت بحماية الحجاز له لتكون لها السيادة على الحرمين الشريفين، إن لم

يكن بإبرام المعاهدة الجديدة، فبما يسميه هو مقررات النهضة المعروفة [1]- وإما

النزول على إرادة العالم الإسلامي وانتظار حكمه، تفاديا من إظهار عداوتها له

ولدينه. أفليس الخير لها أن تنفض يدها من هذه المعاهدة وأمثالها اختيارا، قبل أن

تضطر إلى إقرار إحدى الخطتين اضطرارا؟

ثم اعلم أيها الشعب الإنجليزي الحكيم أن كل ما تنفقه حكومتك الحاضرة من

أموالك لأجل السيطرة على بلاد العرب واحتكار خيراتها ستضيع كما ضاعت

الأموال التي بذلتها في سبيل الحجاز، فإياكم أن تتبعوها فتبذلوا أموالكم في تأليف

الشركات، لما عقدته أو تعقده لكم في جزيرة العرب من الامتيازات، فإنكم لن

تنالوا من هذه الامتيازات - والحالة هذه - إلا الخسار.

أيها الشعب الإنجليزي العاقل! إن حكومتك تعلم أن صاحب هذا الخطاب

صدوق لا يكذب، وصريح لا يخدع ولا يختل، فإنه بين لرجالها خطأهم في

المسألتين العربية والإسلامية قولا وكتابة، وظهر لها صدق أقواله، وصواب آرائه،

ولكن لم تعمل بها، لمخالفتها لأهوائها ومطامعها، فإذا رأت تأثير هذا الخطاب في

شعبها، فستقول له: إنه خطاب عدو لها، وما هو بعدو لأحد، ولكنه صديق لأمته

وملته، ويرى أن من الممكن أن يكون الشعب الإنجليزي (ودولته من ورائه)

صديقا لهما أيضا، ويرغب كغيره من عقلاء الأمة في ذلك، ويعلم أن رجال هذه

الدولة يعرفون الوسيلة المثلى لتحقيق هذه الصداقة ولا يبتغونها، وإن كانوا يدعونها؛

لأنهم ألفوا سياسة قديمة لا يتركونها، ولكن الشعب الإنجليزي إذا عرفها فلا يعز

عليه أن يوجدها؛ لأن من عادته أن يساير طبيعة الاجتماع لا أن يعاندها، وسأبينها

له في خطاب آخر كما بينتها لحكومته من قبل في مذكرات آخرها (مذكرة في بيان

رغائب العرب والمسلمين السياسية) أرسلتها إلى الوزير لويد جورج في يونيو سنة

1919 وحملها إليه رجل من كبار الإنجليز. وسأذكر خلاصتها لكم، فإما أن نجد

فيكم من يقدر أن يجمع بين مصلحتنا ومصلحتكم، وإما نيأس منكم كما يئسنا من

حكومتكم، واليأس إحدى الراحتين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

... ... ... ... ... ... ... ... صاحب المنار الإسلامي

... ... ... ... ... ... ... ... محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

(1) إن من مواد قرارات النهضة التي بنى عليها أمير مكة ثورته أن تكون البلاد العربية وفي مقدمتها الحجاز بمنزلة القاصر في حجر الدولة البريطانية، وأن على هذه الدولة حمايتها في الداخل والخارج حتى في قمع الفتن والثورات الداخلية والأهلية.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٠٨