ويستغني عن كل هذا بالسير على نهج الخلفاء الراشدين والرجوع إلى الأصول
الأولى من الديانة الإسلامية القويمة، ومن سيره هذا تنبعث القوة، وتتجدد لوازم
المنعة.
أكرر عليك القول بأن السبب هو أن الدين الإسلامي لم تكن وجهته كوجهة
سائر الأديان إلى الآخرة فقط، ولكنه مع ذلك أتى بما فيه مصلحة العباد في دنياهم
وما يكسبهم السعادة في الدنيا والتنعيم في الآخرة وهو المعبر عنه في الاصطلاح
الشرعي بسعادة الدارين) ... إلخ.
ثم ختم المقالة بهذه الجملة (فإذا رجع الوازعون في الإسلام إلى قواعد
شرعهم وساروا سيرة الأولين السابقين لم يمض قليل من الزمان إلا وقد آتاهم الله
بسطة في الملك وألحقهم في العزة بالراشدين من أئمة هذا الدين، وفقنا الله للسداد،
وهدانا سبيل الرشاد) .
(الشاهد الثاني)
من العدد 3 المؤرخ في 27 مارس سنة 1884.
في هذا العدد مقال طويل جعلنا عنوانه في تاريخ الأستاذ الإمام (ماضي الأمة
وحاضرها، وعلاج عللها) ذكر فيه خلاصة آراء أهل العصر في ترقية الأمم من
نشر الجرائد وإنشاء المدارس، وتعميم المعارف، وبين أن هذا العلاج في
المصريين والعثمانيين لم يأت بالمطلوب من الحرية والعزة والاعتصام من استذلال
الأجانب إذ كان تقليدا لم تكن له غاية إلا نسف ثروتهم، وأن المتشدقين منهم بألفاظ
الحرية والوطنية والجنسية وما شاكلها يصوغونها في عبارات متقطعة بتراء لا
تعرف غايتها، ولا تدرك بدايتها، وإن المقلدين من كل أمة المنتحلين لأطوار
غيرهم يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها، وتكون مداركهم مهابط
الوساوس، ومخازن الدسائس، بل يكونون بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين
قلدوهم، واحتقار من لم يكن على مثالهم، شؤما على أبناء أمتهم، يذلونهم
ويحقرون أمرهم، ويستهينون بجميع أعمالهم. إلى أن قال: ولهذا لو طرق
الأجانب أرضا لأية أمة ترى هؤلاء المتعلمين فيها يقبلون عليهم، ويعرضون
أنفسهم لخدمتهم إلخ (ثم بين رأيه بما نصه) : (لا أطيل عليك بحثا، ولا
أذهب بك في مجالات بعيدة من البيان، ولكني أستلفت نظرك إلى سبب يجمع
الأسباب، ووسيلة تحيط بالوسائل: أرسل طرفك إلى نشأة الأمة التي خملت بعد
النباهة وضعفت بعد القوة، واسترقت بعد السيادة، وضيمت بعد المنعة، وتبين
أسباب نهوضها الأول حتى تتبين مضارب الخلل، وجراثيم العلل، فقد يكون ما
جمع كلمتها، وأنهض همم آحادها ولحم ما بين أفرادها، وصعد بها إلى مكانة
تشرف منها على رءوس الأمم وتسوسهم وهى في مقامها بدقيق حكمتها - إنما هو
دين قويم الأصول محكم القواعد شامل لأنواع الحكم، باعث على الألفة، داع إلى
المحبة، مزك للنفوس مطهر للقلوب من أدران الخسائس، منور للعقول بإشراق
الحق من مطالع قضاياه، كافل لكل ما يحتاج إليه الإنسان من مباني الاجتماعات
البشرية وحافظ وجودها، وينادي بمعتقديه إلى جميع فروع المدنية. فإن كانت
هذه شرعتها، ولها وردت، وعنها صدرت، فما تراه من عارض خللها
وهبوطها عن مكانتها إنما يكون من طرح تلك الأصول ونبذها ظهريا، وحدوث بدع
ليست منها في شيء، أقامها المعتقدون مقام الأصول الثابتة، وأعرضوا عما يرشد
إليه الدين، وعما أتى لأجله، وما أعدته الحكمة الإلهية له، حتى لم يبق منه إلا أسماء
تذكر وعبارات تقرأ. فتكون هذه الحادثات حجابا بين الأمة وبين الحق الذي تشعر
بندائه أحيانا بين جوانحها