تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يكن يستطيع ذلك بعد أن استفحل أمرهم وصاروا محيطين بمن يتولى الأمر

منهم، وفي كتاب الفتن من صحيح البخاري أن أبا برزة الصحابي الجليل سئل وكان

بالبصرة عن التنازع على الخلافة بين مروان وابن الزبير والخوارج - وهو أثر

سنة معاوية - فقال: احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم

يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم

بالإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت

بينكم، إن ذاك الذي في الشام - والله - إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن هؤلاء الذين

بين أظهركم - والله - إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة - والله - إن

يقاتل إلا على الدنيا اه. ويعني بالذين بين أظهرهم الخوارج الذي يسمون القراء

ولذلك جاء في رواية أخرى زيادة: يزعمون أنهم قراؤكم.

نعم إن الأولين من بني أمية وبني العباس استخدموا طبيعة الملك وتوسلوا به

إلى مقاصد الخلافة كنشر الإسلام ولغته وإعزازه وفتح الممالك وإقامة العدل بين

الناس كافة. إلا ما كان من الانتقام من المتهمين بطلب الخلافة ومن التصرف في

بيت المال. قال ابن خلدون بعد تفصيل له في هذا الباب: فقد صار الأمر إلى

الملك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق.

ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينا ثم انقلب عصبية وسيفا. وهكذا كان

الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والصدر الأول من خلفاء بني العباس

إلى الرشيد وبعض ولده، ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها، وصار الأمر

ملكا بحتا وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها، واستعملت في أغراضها من القهر

والتقلب في الشهوات والملاذ، وهكذا كان الأمر لولد عبد الملك ولمن جاء بعد

الرشيد من بني العباس، واسم الخلافة باقيا فيهم لبقاء عصبية العرب والخلافة

والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض، ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب

عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم، وبقي الأمر ملكا بحتا كما كان الشأن

في ملوك الأعاجم بالمشرق يدينون بطاعة الخليفة تبركا، والملك بجميع ألقابه

ومناحيه لهم وليس للخليفة منه شيء ... فقد تبين أن الخلافة وجدت بدون الملك أولا

ثم التبست معانيهما واختلطت، ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبيته من عصبية

الخلافة اه.

وهذه الخلاصة التي ذكرها ابن خلدون تدل على صحة قولنا الذي كررناه

مرارا وهو أن خلفاء بني أمية وبني العباس قد جمعوا بين عظمة الملك ونعيمه

وترفه وبين مقاصد الخلافة من نشر الدين والحق والعدل. وأن الفساد دب إليهم

بالتدريج، وما زال يفتك بهم حتى أزال ملكهم، وأكثر المسلمين لا يشعرون بسير

السنن الاجتماعية فيهم والأقلون لا يستطيعون تلافي الفساد وتداركه قبل أن ينتهي

إلى غايته من هلاك الأمة.

وإنما كان يتلافى بالنظام الذي تقام به الخلافة. فالنظام قد أوجد أديانا

ومذاهب باطلة، وثبت دولا جائرة، فكيف لا يحفظ به الحق الراسخ رسوخ الأطواد،

فهو الحق الذي يعلو ولا يعلى، لو أن المسلمين بذلوا من العناية لإعادة الخلافة إلى

نصابها عشر ما بذلت فرق الباطنية لإفسادها لعادت أقوى ما كانت وسادوا بها

الدنيا كلها.

هذا - وإن ما فات المسلمين في القرون الوسطى لا ينبغي أن يفوتهم في هذا

العصر الذي عرف البشر فيه من سنن الله تعالى في الاجتماع البشري ومن فوائد

النظام وأحكامه ما لم يكونوا يعرفون.

الترك العثمانيون والخلافة والتفرنج

كان أجدر المسلمين بالسبق إلى هذا رجال الدولة العثمانية، ولا سيما الذين

يقيمون في الآستانة والرومللي من بلاد أوربة يشاهدون تطور شعوبها وترقيهم في

العلوم والفنون والنظام، ولكن دولتهم لم تكن دولة علوم وفنون؛ لأنه لم يكن لهم

لغة علمية مدونة قابلة لذلك إلا في أثناء القرن الماضي، ولم يكن يتعلم علوم الإسلام

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٧٠