تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معه قرنا واحدا كاملا، ولما كان الإسلام قد أبطل عصبية العرب الجنسية، احتاج

العباسيون أن يستعينوا على الأمويين بعصبية الأمة الفارسية، وكان للزنادقة

والمنافقين من هؤلاء مكايد خفية، يريدون أن يديلوا للفرس من العرب، وللمجوسية

من الإسلام، ولأجلها بثوا في المسلمين التفرقة بالغلو في آل البيت توسلا للطعن في

جمهور الصحابة ليفرقوا كلمة العرب ويبعدوا بهم عن أصول الإسلام الشوروي

(الديمقراطي) وينشئوا فيه حكومة (أتوقراطية) مقدسة أو معبودة، بجعل رئاستها

لمن يدعون فيهم العصمة من بيت النبوة، ليسهل عليهم بذلك إعادة الكسروية

والمجوسية.

ولما انكشف أمرهم للعباسيين عولوا على جعل عصبيتهم من الترك، فكان

المعتصم يشتري شبانهم من بلادهم وسائر النواحي ويجعلهم جنودا له، ويطلق لهم

العنان، ويمهد لهم هو ومن بعده سبيل السلطان، جهلا منهم بطبائع العمران،

وكانوا أولي جهل وقسوة وفساد، فطغوا في البلاد، وأكثروا البغي والعدوان على

العباد، حتى صاروا يقتلون الخلفاء أنفسهم وهم على عروشهم، أو يخلعونهم

ويولون غيرهم بأهوائهم، فاختل بفسادهم النظام والطاعة بوازع الإسلام، فسهل

على إخوانهم التتار اجتياح ملك العباسيين تخريبا وتتبيبا، وتقتيلا وتمثيلا،

واستفحل أمر الباطنية من القرامطة وغيرهم، وقد كان جند الترك في العباسيين،

كجند الإنكشارية بعده في العثمانيين، كان قوة لهم، ثم صار قوة عليهم ومفسدا

لملكهم.

وقد أفسد الأعاجم أمر الخلفاء العباسيين بالإطراء والتعظيم الذي ينكره الإسلام

ولا تعرفه العرب بشر من إفسادهم له بالاستبداد بهم والاعتداء عليهم، كما فعل

السلطان عضد الدولة بذلك المظهر العجيب الذي أقامه للخليفة الطائع.

قال السيوطي في ترجمة الطائع لله من تاريخ الخلفاء: وسأل عضد الدولة

الطائع أن يزيد في ألقابه (تاج الملة) ويجدد الخلع عليه ويلبسه التاج، فأجابه،

وجلس الطائع على السرير وحوله مائة بالسيوف والزينة، وبين يديه مصحف

عثمان، وعلى كتفه البردة، وبيده القضيب، وهو متقلد بسيف رسول الله صلى الله

عليه وسلم وضربت ستارة بعثها عضد الدولة، وسأل أن تكون حجابا للطائع حتى لا

تقع عليه عين أحد من الجند قبله، ودخل الأتراك والديلم وليس مع أحد منهم حديد،

ووقف الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين. ثم أذن لعضد الدولة فدخل، ثم

رفعت الستارة وقبل عضد الدولة الأرض، فارتاع زياد القائد لذلك وقال لعضد الدولة:

ما هذا أيها الملك، أهذا هو الله؟ فالتفت إليه وقال: هذا خليفة الله في أرضه (! !)

ثم استمر يمشي ويقبل الأرض سبع مرات. فالتفت الطائع إلى خالص الخادم، وقال

استدنه، فصعد عضد الدولة فقبل الأرض مرتين، فقال: ادن إلي، فدنا وقبل رجله.

وثنى الطائع يمينه عليه وأمره فجلس على كرسي بعد أن كرر عليه (اجلس) وهو

يستعفي، فقال له: أقسمت عليك لتجلسن، فقبل الكرسي وجلس، فقال له الطائع: قد

رأيت أن أفوض إليك أمر الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع

جهاتها، سوى خاصتي وأسبابي، فتول ذلك. فقال: يعينني الله على طاعة أمير

المؤمنين وخدمته، ثم أفاض عليه الخلع وانصرف اه.

ثم ذكر المؤرخ من عاقبة هذا ما وصل إليه أمر الخلفاء بعد ذلك مع السلاطين؛

إذ كان الوجهاء فيهم كآحاد ركابهم. وما كان يفعله أمثال ذلك الملك الجاهل

المتملق، وكل ما ذكر من تلك الهيئة منكرات في الإسلام. فتقبيل الأرض أشد تذللا

من الركوع والسجود، وقد صحت الأحاديث في النهي عن التشبه بالأعاجم في

كبريائهم وبذخهم، حتى في الوقوف على رءوس ملوكهم أو بين أيديهم.

اضطراب المسلمين في حكوماتهم

وأما سبب وقوع ذلك وطول العهد عليه فهو أن التطورات الاجتماعية كانت

تقضي بوقوع ما وقع من التصرف في شكل الحكومة الإسلامية، ولم يكن يمكن في

تلك الأزمنة أن يوضع لها نظام يكفل أن تجري على سنة الراشدين، ولا طريقة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٦٧