للضرورة كما لو لم يوجد قرشي عدل أو وجد ولم يقدر على توليته لغلبة الجورة
ا. ه. [3] قال هذا ردا على جماعة الحنفية في استدلالهم على عدم اشتراط العدالة
في الأئمة بقبول بعض الصحابة للولاية والقضاء من ظلمة بني أمية كمروان
وصلاتهم معهم، فمراده بالأمور: القضاء والإمارة والحكم، كما قاله شارح المسايرة.
وقال السعد في شرح المقاصد: وههنا بحث، وهو أنه إذا لم يوجد إمام على
شرائطه وبايع طائفة من أهل الحل والعقد قرشيا فيه بعض الشرائط من غير نفاذ
لأحكامه، وطاعة من العامة لأوامره، وشوكة بها يتصرف في مصالح العباد
ويقتدر على النصب والعزل لمن أراد - هل يكون ذلك إتيانا بالواجب؟ وهل يجب
على ذوي الشوكة العظيمة من ملوك الأطراف المتصفين بحسن السياسة والعدل
والإنصاف، أن يفوضوا إليه الأمر بالكلية، ويكونوا لديه كسائر الرعية؟ وقد
يتمسك بمثل قوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم} (النساء: 59) وقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يعرف إمام
زمانه مات ميتة جاهلية) فإن وجوب الطاعة والمعرفة يقتضي الحصول [4] . اه.
وإنما فرض أن المبايعين في هذه الصورة بعض أهل الحل والعقد؛ لأنه إذا
بايعه جميعهم ومنهم الملوك الذين ذكرهم تمت شوكته ونفذ حكمه قطعا، وهذه
الصورة تصدق على بعض خلفاء بني أمية وبني العباس الذين كانت تنقصهم العدالة
أو العلم الاجتهادي، وكان الجمهور يوجبون طاعتهم، ويصححون للضرورة
إمامتهم إذا لم تتيسر بيعة أمثل منهم، وإن كان موجودا والمعتمد عند الحنفية أن
إمامتهم صحيحة مطلقا لأن العلم والعدالة عندهم ليست من شروط الانعقاد كما تقدم
في محله. قال الكمال بن الهمام محقق الحنفية في (المسايرة) تبعا للغزالي:
(الأصل العاشر) لو تعذر وجود العلم والعدالة، فمن تصدى للإمامة بأن تغلب عليها
جاهل بالأحكام أو فاسق وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق - حكمنا بانعقاد إمامته كي
لا نكون كمن يبني قصرا ويهدم مصرا، وإذا قضينا بنفوذ قضايا أهل البغي في بلادهم
التي غلبوا عليها لمسيس الحاجة، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند لزوم الضرر
العام بتقدير عدمها. وإذا تغلب آخر على ذلك المتغلب وقعد مكانه انعزل الأول وصار
الثاني إماما. اه.
وقال السعد في شرح (المقاصد) بعد ذكر شروط الإمامة، وآخرها النسب
القرشي ما نصه: وأما إذا لم يوجد في قريش من يصلح لذلك أو لم يقتدر على
نصبه لاستيلاء أهل الباطل وشوكة الظلمة وأرباب الضلالة - فلا كلام في جواز تقلد
القضاء وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وجميع ما يتعلق بالإمام من كل ذي شوك، كما
إذا كان الإمام القرشي فاسقا أو جائرا أو جاهلا، فضلا عن أن يكون مجتهدا.
وبالجملة مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار، وأما عند العجز
والاضطرار، واستيلاء الظلمة والكفار والفجار، وتسلط الجبابرة الأشرار، فقد
صارت الرئاسة الدنيوية تغلبية، وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام
ضرورة، ولم يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط، والضرورات تبيح
المحظورات، وإلى الله المشتكى في النائبات، وهو المرتجى لكشف الملمات ا. ه
بحروفه [5] .
والفرق بين هذه الخلافة وما قبلها بعد كون كل منهما جائزا للضرورة أن
الأولى صدرت من أهل الحل والعقد باختيارهم لمن هو أمثل الفاقدين لبعض الشرائط،
ولذلك فرضه المحقق التفتازاني قرشيا؛ إذ القرشيون كثيرون دائما، وأما الثانية
فصاحبها هو المعتدي على الخلافة بقوة العصبية لا باختيار أهل الحل والعقد له؛
لعدم وجود من هو أجمع للشرائط منه، فذاك يطاع اختيارا، وهذا يطاع اضطرارا.
ومعنى هذا أن سلطة التغلب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة، تنفذ
بالقهر وتكون أدنى من الفوضى. ومقتضاه أنه يجب السعي دائما لإزالتها عند