تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخذوا من هدايته المدنية في كل عصر بقدر استعدادهم وأحوالهم الاجتماعية، ولولا ما

سنشير إليه من الصدمات التاريخية لبلغوا به الكمال المدني كما بلغوا الكمال الديني.

يؤيد فهمنا هذا ما نقله الأستاذ صاحب المحاضرة من رد رينان على السيد جمال الدين

قبل خاتمتها، وهو قوله:

(ويلوح لي أن الشيخ جمال الدين قد زودني بطائفة من الآراء الهامة [3]

تعينني على نظريتي الأساسية وهي أن الإسلام في النصف الأول من وجوده لم

يحل دون استقرار الحركة العلمية في الأراضي الإسلامية. ولكن في النصف الثاني

خنق الحركة العلمية وهي في حظيرته فكان هذا من سوء حظه) . اه.

أضف إلى هذا إطناب السيد في تفنيد رأي رينان في العرب - واستنتج منهما

أنه يعني بالنصف الأول عصر الدولة العربية المحضة قبل تغلب الأعاجم على

خلفاء العرب من ترك وفرس - وبهذا تعلم أن السيد قد هدم محاضرة رينان ونسفها

نسفا برقة ولطف، كالماء تخلل أساس بناء بني على شفا جرف هار فانهار به،

وإن كل ما وافقه عليه هو أن المسلمين قد وجد منهم - كغيرهم - في نشأة الإسلام

الأعجمية في النصف الثاني من حياته ما خنق الحركة العلمية، فكل ما أسنده إلى

الإسلام موافقا لرينان يراد به الإسلام الأعجمي المشوه بالبدع، لا الإسلام العربي

المنصوص في القرآن والسنن، وإلا كان كلامه متناقضا، ولا وجه لدفع التناقض

الذي يصان عنه كلام العقلاء إلا ما ذكرنا.

شرح الشيخ محمد عبده لرد الأفغاني على رينان:

إنني أستطيع أن أشرح لك أيها القاريء هذا الحكم ولكنك غني عن شرحي

بشرح أكبر تلاميذ السيد جمال الدين ومريديه وأعلم الناس بآرائه والمطلع على رده

على رينان بنصه، فهو قد شرح هذا الرد بكتاب حافل، تتزين به الخزائن

والمحافل ألا وهو (كتاب الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) .

أورد في هذا الكتاب بضعة من أصول الإسلام هي نصوص جليلة، وبراهين

قطعية، على كونه دين العمل والعقل والمدنية، ثم ذكر خلاصة تاريخية لمؤرخي

الإسلام والإفرنج عن الدول العربية، تثبت أن تلك المدنية الزاهرة وانتشار العلم

والفلسفة كان نتيجة تلك الأصول الإسلامية واستعداد الأمة العربية. ومما نقله من

كلام غوستاف لوبون الفيلسوف المؤرخ الفرنسي فيه: إن العرب أول من علم العالم

كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين.

وبعد أن شرح نتائج تلك الأصول فتح بابا آخر للكلام عنوانه (الإسلام اليوم

أو الاحتجاج بالمسلمين على الإسلام) وصف فيه سوء حال المسلمين علمائهم

ودهائهم، وذكر أنه هو الذي حمل رينان على الطعن في الإسلام واتخذه حجة له.

وقد أورد ذلك بصيغة السؤال ثم أجاب عنه بعد أن سماه (جمود المسلمين) جوابا

بين به أسبابه والمخرج منه، ومما قاله في أوائل هذا الجواب (والعنوان لنا) :

ضعف الإسلام العربي بتغلب الأعاجم:

انظر كيف صارت مزية من مزايا الإسلام سببا فيما صار إليه أهله: كان

الإسلام دينا عربيا، ثم لحقه العلم فصار علما عربيا بعد أن كان يونانيا، ثم أخطأ

خليفة في السياسة فاتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيرا له: ظن أن

الجيش العربي قد يكون عونا لخليفة علوي؛ لأن العلويين كانوا ألصق ببيت النبي

صلى الله عليه وسلم فأراد أن يتخذ له جيشا أجنبيا من الترك والديلم وغيرهم من

الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه، وبصطنعها بإحسانه، فلا تساعد الخارج

عليه، ولا تعين طالب مكانه من الملك، وفي سعة أحكام الإسلام وسهولته ما يبيح

له ذلك، هنالك استعجم الإسلام وانقلب عجميا) .

(خليفة عباسي أراد أن يصنع لنفسه ولخلفه، وبئس ما صنع بأمته ودينه،

أكثر من ذلك الجند الأجنبي، وأقام عليه الرؤساء منه، فلم تكن إلا عشية أو

ضحاها حتى تغلب رؤساء الجند على الخلفاء واستبدوا بالسلطان دونهم ‍! وصارت

الدولة في قبضتهم. ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الإسلام والقلب الذي هذبه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٥١