تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا بعض كلام دعاة النصرانية في الجزائر ورجال السياسة الفرنسية فيها، وناهيك

بإخلاص الفريقين والتحقيق والصدق منهما، فمن تحقيق الفريق الأول ما يعرفه

قراء العربية من كتاب (الإسلام للكونت دي كاستري) الذي ترجمه بالعربية

المرحوم أحمد فتحي باشا زغلول، فإن فيه من العقائد المنسوبة إلى الإسلام ما لم

يخطر في بال أحد من البشر لم يطلع على مفترياته. ومن تحقيق الفريق الآخر

تفضيل البربر على العرب في العلم والمدنية، ودليلهم على ذلك أن أصلهم من

برابرة الشمال الأوربيين لا من همج الساميين! وقد اضطر إلى تجهيلهم الفليسوف

الاجتماعي بحق (غوستاف لوبون) أحد أفراد علماء الفرنسيس الذين أنصفوا

العرب حق الإنصاف على علم صحيح بالتاريخ.

ومن هذا الباب ثناء رينان على جمال الدين وعلى قومه الأفغان بأنهم من

الأرومة الآرية ذات العقل الراقي المستعد للفلسفة العليا التي تستعصي على عقول

العرب، وعلل بذلك ما زعمه من عدم استمساك هذا الشعب بالإسلام. والحق الواقع

القطعي الدال على مبلغ جهل رينان هو أن السيد جمال الدين هو الفليسوف الوحيد

الذي خرج من الأفغان وهو من صميم العرب من سلالة النبي صلى الله عليه وسلم

وأن الشعب الأفغاني هو أشد الشعوب الإسلامية اعتصاما بدين الإسلام وتعصبا له

لعله لا يفوقه في هذا أو يساويه فيه إلا عرب نجد، فإذا كان السيد جمال الدين غير

متدين كما تراءى لعقل رينان فقد نقضت قاعدته في العرب وفي الأفغان جميعا، فما

هذه الفلسفة؟ وإذا كان هذا مبلغ علمه بهذا الشعب الحاضر، فما القول بعلمه

بالشعب العربي الأندلسي الغابر؛ إذ فضح نفسه فيما قاله عنه شر فضيحة.

على أننا لا نثق بما نقل إلينا الأستاذ صاحب المحاضرة من كلام فيلسوفي

الغرب والشرق - على رأيه - فإن السيد جمال الدين كتب رده على رينان بالعربية -

كما قال - وترجم لجريدة الديبا بالفرنسية، ونقل من الفرنسية إلى الألمانية، ومنها

إلى العربية، فهل حفظ الأصل مع كثرة النقل من لغة إلى لغة إلى أخرى.

نقل إلينا قبل هذا كلام من قول رينان في الإمام الغزالي وجدناه غلطا مخالفا

لما في كتبه المشهورة كتهافت الفلاسفة وإحياء علوم الدين، وهو لم يعتوره من تعدد

الترجمة ما أصاب رد السيد جمال الدين.

ملخص ما ذكر في المحاضرة من رد السيد الأفغاني على الفيلسوف الفرنسي

أنه وافقه على كون الإسلام عدو العلم والعقل كسائر الأديان وخالفه في طعنه في

العرب. ولكن الأستاذ صاحب المحاضرة نقل عن السيد كلمة وجيزة مجملة فيما

عزاه رينان إلى الإسلام هل هو من تأثير الدين نفسه أم هو تأثير فهم الناس له

واختلاف الشعوب في فهمه؟ خرجت هذه الكلمة بصوت غير جهوري فلم تعها كل

أذن؛ ولا فكر فيها كل سامع، ولعل كل ما في الرد من التسليم باضطهاد الإسلام

للعلم وعداوته للعقل مبني على هذه الكلمة.

ههنا أذكر كلمة الأستاذ الإمام عن رأي أستاذه السيد جمال الدين في الدين

والعلم، وهي أن الإسلام دين العقل والحكمة والفلسفة الصحيحة، وأنه لولا تأثير

هدايته لما انتقل العرب من الأمية إلى أعلى مما كان عليه جميع البشر في كل علم

وكل فن وكل نظام وكل عمران في مدة جيل واحد حتى سادوا الفرس والروم

والأوربيين وغيرهم. وهل يعقل أن تلك الشراذم التي خرجت من جزيرة العرب

حفاة عراة لا يعرفون من العلم شيئا غير القرآن، ولم يكن كل واحد منهم يحفظه

كله - يمكن أن تدوخ كل هذه الأمم وتسودها وتسوسها من ساحل المحيط الأطلسي

إلى الشرق الأقصى وتخضعها لدينها ولغتها بالسيف؟

ولكن المسلمين ابتدعوا في الإسلام بدعا كثيرة لم يمكن تداركها بسبب فساد

نظام الخلافة وإخراجها عن أصلها الذي يشترط فيه العلم الاستقلالي والعدالة، وبهذا

الابتداع الذي صار إسلام القرآن فيه غير إسلام المنتسبين إليه أضاعوا العلم به ثم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٤٦