تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سواء كان بكف أو بقضيب أو بدف أو كان مع ذلك شبابة فهذا لم يفعله أحد من

الصحابة ولا من أهل الصفة ولا من غيرهم ولا من التابعين، بل القرون الثلاثة

المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (خير القرون القرن الذي بعثت

فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) لم يكن فيهم أحد يجتمع على هذا السماع

لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في العراق ولا مصر ولا خراسان ولا

المغرب. إنما كان السماع الذين يجتمعون عليه سماع القرآن وهو الذي كان الصحابة

من أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه، فكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا أمروا واحدا

منهم يقرأ والباقي يستمعون، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على

أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي

موسى: يا أبا موسى ذكرنا ربنا. فيقرأ وهم يستمعون، وكل من نقل أنهم كان لهم

حاد ينشد القصائد الربانية بصلاح القلوب، أو أنهم لما أنشد بعض القصائد تواجدوا

على ذلك أو أنهم مزقوا ثيابهم أو أن قائدا أنشدهم:

قد لسعت حية الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راق

إلا الطبيب الذي شغفت به ... فعنده رقيتي وترياقي

أو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (إن الفقراء يدخلون الجنة قبل

الأغنياء بنصف يوم) أنشدوا شعرا وتواجدوا عليه - فكل هذا وأمثاله إفك مفترى

وكذب مختلق باتفاق أهل الآفاق من أهل العلم وأهل الإيمان لا ينازع في ذلك إلا

جاهل ضال، وإن كان ذكر في بعض الكتب شيء من ذلك فكله كذب باتفاق أهل

العلم والإيمان.

(فصل) وأما قوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي

يريدون وجهه} (الكهف: 28) فهي عامة فيمن تناوله هذا الوصف مثل الذين

يصلون الفجر والعصر في جماعة، فإنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه،

سواء كانوا من أهل الصفة أو غيرهم. أمر الله نبيه بالصبر مع عباد الله الصالحين

الذين يريدون وجهه، وأن لا تعدو عيناه عنهم: ﴿تريد زينة الحياة الدنيا﴾ (الكهف: 28) وهذه الآية في الكهف، وهي سورة مكية، وكذلك الآية التي هي في

سورة الأنعام: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما

عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من

الظالمين} (الأنعام: 52) .

وقد روي أن هاتين الآيتين نزلتا في المؤمنين المستضعفين لما طلب

المستكبرون أن يبعدهم النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه الله تعالى عن طرد من يريد

وجهه وإن كان مستضعفا ثم أمره بالصبر معهم، وكان ذلك قبل الهجرة إلى المدينة

وقبل وجود الصفة، لكن هي متناولة لكل من كان بهذا الوصف من أهل الصفة

وغيرهم.

والمقصود بذلك أن يكون مع المؤمنين المتقين الذين هم أولياء الله، وإن كانوا

فقراء ضعفاء، فلا يتقدم أحد عند الله تعالى بسلطانه وماله ولا بذله وفقره وإنما

يتقدم عنده بالإيمان والعمل الصالح، فنهى الله سبحانه وتعالى أن يطاع [2] أهل

الرئاسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ضعيفا أو فقيرا وأمره أن لا يطرد من

كان منهم يريد وجهه، وأن يصبر نفسه معهم في الجماعة التي أمر فيها بالاجتماع

بهم كصلاة الفجر والعصر، ولا يطيع أمر الغافلين عن ذكر الله المتبعين لأهوائهم.

(لها بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) المناسب أن يقال: بأن محمدا صلى الله عليه وسلم.

(2) لعل الأصل: فنهى الله سبحانه وتعالى نبيه أن يطيع إلخ، بدليل ما عطف عليه من قوله: وأمره إلخ.</span></span>

الكاتب: أبو الكلام

-----------------

<span class="footnote">

الخطاب الذي خاطب به المحكمة الإنكليزية

العالم العلامة الأستاذ أبو الكلام

إني قد كنت عازما على أن لا أقدم إلى المحكمة بيانا ما؛ لأنها مكان لا رجاء

لنا فيه ولا طلب منه، ولا شكوى إليها، وإنما هي كمنعرج الطريق إلى المنزل لا بد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٣٢