في آية أخرى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على
أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى
أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} (النساء: 135)
أي كونوا قائمين بالعدل في الأحكام وغيرها على أكمل وجه - كما تدل صيغة
المبالغة - شهداء لله في إثبات الحق، وما كان لله لا يميز فيه المؤمن نفسه ولا والديه
وأقرب الناس إليه على غيره؛ لأن هذا التمييز إيثار لنفسه أو لقريبه على ربه الذي
جعل الشهادة له سبحانه، ولا يفرق فيه بين الغني والفقير بأن يحابي الغني طمعا في
نواله والفقير رحمة به، وقفى على هذا الأمر بالنهي عن ضده وهو اتباع هوى النفس
كراهية للعدل، وبحظر اللى والتحريف للشهادة أو الإعراض عنها أو عن الحكم
بالحق، وتهدد فاعل ذلك وتوعده بأنه خبير بأمره لا يخفى عليه منه شيء. دع ما
ورد في الأحاديث النبوية من الوصية بأهل العهد والذمة خاصة، ولولا ذلك لفعلت
الحكومات الإسلامية القوية بالمخالفين لهم ما فعل غيرهم من إبادة بعض وإجلاء
آخرين عن ديارهم أو إكراههم على الإسلام أو سن قوانين استثنائية لقهرهم وإذلالهم.
وفي التاريخ العثماني أن السلطان سليمان استفتى شيخ الإسلام أبا السعود العمادي
الدمشقي الأصل في إكراه النصارى على الإسلام أو الجلاء، فأبى أن يفتيه وبين له
أن الشريعة لا تبيح ذلك، فأذعن وكان يريد أن يفعل بهم كما فعلت الدولة الأسبانية
بمسلمي الأندلس.
وثم فرق آخر بين الشرع الإسلامي والاشتراع البشري الذي لا تتقيد حكومته
بالدين هو في مصلحة غير المسلمين أيضا، وهو أن كل مسلم يعتقد أن الحكم
الشرعي حكم إلهي، وأن طاعته قربة وزلفى عند الله يثاب عليها في الآخرة،
وعصيانه عصيان لله تعالى يعاقب عليه فيها، سوء حكم به الحاكم عليه أم لا، ولكن
حكم الحاكم يرفع خلاف المذاهب فتكون طاعته ضربة لازب، وهذا ضمان لغير
المسلم، الوازع فيه نفسي، ولا ضمان مثله للمسلم من غيره.
(فإن قيل) : كل ذي دين يحاسب نفسه (أو ضميره) على ما يعتقده من
حق عليه.
(قلنا) : هذا عام مشترك وما نحن فيه أخص منه، وهو احترام الحكم
الشرعي، ووجوب طاعة الحاكم إذا حكم عليه سواء اعتقد صحته أم لم يعتقد، وإن
أمن عقاب الحكومة في التفصي منه بالحيلة.
وجملة القول: إنه ليس في الشريعة ظلم لغير المسلم يعذر به على كراهيتها،
وهي تساوي بين أضعف ذمي أو معاهد وبين الخليفة الأعظم في موقف القضاء
وتقرير الحقوق، والشواهد على هذا في عصر الخلافة الراشدة وما بعدها متعددة،
وإننا نصرح بكل قوة بأن العدل العام المطلق لم يوجد إلا في الإسلام
ولا نعرف لهم مطعنا في هذه المساواة إلا مسألة رد شهادة غير المسلم على المسلم،
وهي مسألة لا يقوم دليل على إطلاق القول فيها بل لها مخرج من الكتاب والسنة
وأصول الشريعة، فقد قال تعالى في سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن
ليس فيها حكم منسوخ: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت
حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} (المائدة: 106) الآية -
والمتبادر الذي عليه جمهور السلف والخلف أن المراد ب (غيركم) غير المخاطبين
بالآية، وهم المسلمون، وخصه بعض العلماء بأهل الكتاب، ولا دليل على هذا
التخصيص، وقيده بعضهم بمثل الحالة التي نزلت فيها الآية بناء على أن الأصل
في شهادة غير المسلم العدل أن ترد؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (الطلاق: 2) وقد بينا ضعف الاستدلال بهذه الآية على ما ذكر في تفسير آية المائدة
بتفصيل، منه أن هذا في الأمر بالإشهاد في مسألة المطلقات المعتدات من المسلمات
لا في الشهادة مطلقا ولا في كل إشهاد، وقد قال الله تعالى في الإشهاد على الأموال:
﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ (النساء: 6) ولم يقيد هذا الإشهاد