تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القاعدةُ الثانيةُ والعشرون: دع سياسةَ الرفض الْمُباشر, وحاور وناقش وأقنع قبل أن تتخذ القرار النهائي.

لا تنطق بـ ( لا ) إذا طلب منك ولدك شيئاً, إلا إذا تيقنت أنه هو الجواب الوحيد.

وقد اعتاد كثيرٌ من الأمهات خاصةً وبعض الآباء أيضاً على رفض طلبات أولادهم من أول وهلة, فتقول ( لا ) قبل أنْ تتأكد جيداً هل طلبه يستحق الرفض أم لا؟

فحينما يقول لها: أريد الذهاب مع صديقي, فتجيب مباشرةً لا!, وحينما يُخبرها بأنه لا يشتهي الطعام, فتجيبه: لا بدّ أن تأكل, وحينما يطلب من أبيه نزهةً أو شراء لعبةٍ فيجيبه: لا!.

وعندما يخرج الآباء في نزهةٍ ويطلبُ الابن أنْ يخوض في ماءٍ, أو يلعب في الأتربةِ, فيأتي الجواب: لا!.

فهما يُغلقان في وجهه باب الحوار والنقاش, والأخذ والرد, ويغرسان فيه أنه لا رأي له, وأنَّ ثقته مهزوزة, وأنه لا بدّ أن يكون مُقلِّداً تابعاً.

وستكون عنده قناعةٌ راسخة أنَّ والديه لا يلبيان رغباته بحرية, وأنه من الأفضل أن لا يُشاورهما؛ لأنه يجزم برفضهما, فيفعل ما يحلو له ويريد, ويقول : أتحمل النتائج, وأصبر على عتاب وعقاب والدي, المهم أنْ أحقق ما أريد.

وهنا سيبدأ الوالدان بخسارة ابنهما شيئاً فشيئاً.

ثم لماذا ( لا ) في كلِّ شيء؟ فأين المرونة والحوار والنقاش, ولماذا لا نناقشهم عن السبب قبل أن نرفض فكرتهم من أصلها؟.

فلعلهم على حقٍّ فيما قالوا, ولماذا لا نُسمعهم كثيراً هذا الجواب عندما يطلبون منا شيئاً : يا بُنيّ أنت لك حقُّ الاختيار والقرار, فأنت عاقلٌ وذكيّ, لكني أنصحك ألا تفعل؛ لأنك ستندم, وستقع في الشيء الذي يضرك عاجلاً أم آجلا.

فكم في تكرار هذا الجواب عليه من أثرٍ عظيمٍ على نفسيته ونبوغه, وكم ستبني فيه المراقبةَ الذاتية, والحنكةَ في تجاربه, والثقةَ بنفسه, والمعرفةَ والخبرةَ في نتائج اتخاذه لقراراته, والحوارَ الهادئ والبنَّاء.

وهنا أمرٌ ينبغي لكلِّ أبٍ ومُربٍّ أنْ يتفطَّن له: وهو أن هناك تفاوتاً كبيراً بين ما نراه ونعتقده, وبين ما يراه الأطفال والمراهقون ويعتقدونه, وألا نقيس أذواقَنا وآراءَنا ورغباتنا عليهم, فثق تماماً أنَّ ما تراه صائباً صحيحاً قد لا يراه ابنك كذلك, وما تراه خطأً واضحاً: قد يراه ابنك صواباً محضاً, فعندما تُلزمه برأيك دون أنْ تتفهم وجهة نظره: فإنه يرى فيك تدخلاً في خصوصياته, وحرماناً له من أبسط حقوقه.

وخذ مثالاً على ذلك: عندما تذهب أنت وأولادك في نزهة, وتجلسون قرب مُسْتنقعٍ أو بحيرةٍ لا تبدو نظيفةً, فغايةُ الاستمتاع لك ولزوجتك: أنْ تجلسوا بقربها, وتحتسوا الشاي والقهوة, وتتبادلوا الأحاديث والكلام, والضحك والتعليق على الأولاد.

ولكنَّ غايةَ الاستمتاع بالنسبةِ للأولاد: هو الخوض في البركة, واللعب في الطين والرمل, ويزيد من سعادتهم عندما تتسخ ثيابهم وأجسادُهم.

وما يفعله أكثر الآباء والأمهات تجاه هذا التصرف الطبيعي من أولادهم هو منعهم من ذلك, بل وإفسادُ نزهتهم بالصراخ عليهم, وزجرهم وتهديدهم بالرحيل!!, فلا هم استمتعوا بنزهتهم, ولا تركوا أبناءهم يستمتعون.

وماذا في ذلك لو تركوهم يلعبون ويخوضون؟ فأقصى ما يُصيبهم وسخٌ على أبدانهم وملابسهم, وهذا غاية أمنية الأطفال التي بسببها يُفرغون طاقتهم, ويُنمون بها عقولهم, وعلاج هذه المشكلة - في نظر هؤلاء الآباء- بتنظيفهم عندما يرجعون إلى البيت.

كيف تربي أولادك · الصفحة ٩٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كيف تربي أولادكص ٩٨