القاعدةُ الثامنةُ والعشرون: اعْدل بين أولادك في كلِّ شيءٍ.
إنَّ هذه الشريعةَ العظيمة لم تدع مجالاً فيه شحناءٌ ونُفرةٌ بين الناس إلا جاءت بسدِّه, فكيف لو كان بين الإخوة وأبناء الأم الواحدة؟.
فهذا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَعْطَاه أَبوه عَطِيَّةً دون سائر إخوته, فَقَالَتْ زوجته: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأخبره بالخبر, فقَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا, قَالَ: فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ, قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. متفق عليه[77]
فلا يحق للأب أو الأم أنْ يُميِّزوا بين أولادهم في العطايا؛ لأن ذلك يُوغر الصدور, ويُحدث الكراهية بينهم.
وليس هذا قاصراً على العطايا فقط, بل في كلِّ شيء, كالقُبَل, والمدح, والبشاشة, واصطحابهم معهم لأيِّ مكان.
يقول إبراهيم التيمي رحمه الله: كانوا -أي السلف الصالح - يستحبون أن يسووا بين أولادهم حتى في القُبَل.[78]
فإذا قبَّلت أحداً منهم: فقبل الآخر, حتى لا تسري الغيرةُ والكره في نفسه, وحتى لا يتمرَّن على الظلم والجور.
وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله ضمَّ ابناً له إلى صدره وكان يحبه, فقال: يا فلان والله إني لأحبك, وما أستطيع أن أوثرك على أخيك بلقمة!.[79]
إنه الإسلام الذي ربَّانا على العدل والإنصاف, وحذَّرنا من الجور والإجحاف.
فالأطفال لديهم حساسيةٌ شديدةٌ تجاه التمييز في المعاملة من قِبل الآباء والأمهات، وكثيرًا من حالات التنافر والشحناء والخصومة بين الإخوةِ: انْعدامَ العدل من قِبل الآباء أو الأمهات.
بل إن بعض الإخوة قد يرتكب جريمةً أو سلوكاً عُدوانيًّا تجاه أخيه, إذا أحسَّ أن أباه يُفضله عليه.
وهذا ما حصل من إخوة يوسف - عليه السلام - حين ظنوا ظنًّا خاطئاً أن أباهم يفضل يوسف عليهم، قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ (سورة يوسف الآية: 8).
فقادهم ذلك الشعور إلى الانتقام منه، حتى همُّوا بقتله وسفك دمه, وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا منه بعده قومًا صالحين ﴾ (سورة يوسف الآية: 9).
والدافع لهم على هذه الجريمةِ الخطيرة: هو أن يحصلوا على محبةِ أبيهم واهتمامه بعد التخلص من أخيهم يوسف.
\" ومن مظاهر التفريق بين الأولاد: ما تجده عند بعض الآباء، حيث يخص أحد أبنائه الكبار بمبلغ من المال، ويشتري له قطعة أرض، وربما بناها له دون حاجة إلى ذلك، فإذا قيل له : وما نصيب الصغار والبنات؟ قال : الصغار نعطيهم إذا كبروا، والبنات يتزوجن ويكفيهن الأزواج المئونة.
بل ربما أعطى بعض الأولاد، ومنع بعضهم الآخر، أو زوج بعضهم دون الآخر مع أن السن متقاربة، والحاجة واحدة، ولكنه يفرق بينهم لهوى في نفسه، أو لأن هذا من تلك الزوجة الأثيرة عنده، وذاك من الزوجة التي ليس لها ود في قلبه\".[80]
***
[77] البخاري (2587), ومسلم (4273).
[78] موسوعة ابن أبي الدنيا 8/24
[79] موسوعة ابن أبي الدنيا 8/24
[80] التقصير في تربية الأبناء للشيخ محمد الحمد: 6