القاعدةُ الحاديةُ والعشرون: أنْ نُعوِّد أبناءنا على حرِّيَّةِ الاختيار والتعبير, واتخاذ القرار, بما لا مضرَّةَ فيه في دينه ودُنياه, فلا نُلْزمه على لباسٍ أو طعامٍ لا محظور فيه, فينشأُ الابن مُحبًّا لك, عارفاً لقدرك وفضلك, قد غرست فيه رجاحةً في عقله, وقوةً واسْتقلالاً في رأيه.
قال العلاَّمةُ محمد رشيد رضا رحمه الله: النَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّ وَصَايَا الأبناء بالْوَالِدَيَنِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ لِلْوَالِدَيْنِ أَنْ يَعْبَثَا بِاسْتِقْلَالِ الْوَلَدِ مَا شَاءَ هَوَاهُمَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يُخَالِفَ رَأْيَ وَالِدَيْهِ وَلَا هَوَاهُمَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ عَالِمًا وَهُمَا جَاهِلَيْنِ بِمَصَالِحِهِ، وَهَذَا الْجَهْلُ الشَّائِعُ مِمَّا يَزِيدُ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ إِغْرَاءً بِالِاسْتِبْدَادِ فِي سِيَاسَتِهِمْ لِلْأَوْلَادِ, فَيَحْسَبُونَ أَنَّ مَقَامَ الْوَالِدِيَّةِ يَقْتَضِي بِذَاتِهِ أَنْ يَكُونَ رَأْيُ الْوَلَدِ وَعَقْلُهُ وَفَهْمُهُ دُونَ رَأْيِ وَالِدَيْهِ وَعَقْلِهِمَا وَفَهْمِهِمَا. ا.ه[63]
وصدق رحمه الله, فالمراهق الضعيف الشخصية أو من لديهم قلقٌ دائمٌ من المستقبل، يبحثون دوماً عن طرقٍ لإرضاء \"الأصدقاء\". ولكن إنْ أعطي الطفل المنهج الصحيح منذ الصغر للتعامل في المواقف وأخذ القرارات، سيتمكن من مواجهة المواقف عندما يكبر وستكون النتائج جيدة.
ومعنى أنْ نُتيح له حرِّيَّةَ الاختيار والتعبير, واتخاذ القرار: أن يختار بنفسه وذوقه أي قميص أو لباسٍ يريد لبسه، أو أيَّ لعبةٍ تُعجبه، ويتخذ القرار المناسب في ترتيب غرفته, وهكذا.
فالطفل الذي يُتَاح له أن يتخذ قراراتٍ, ويقوم بتجارب بلا تدخل وإلزام سيتعلم أن ما اتخذه من قراراتٍ لها نتائج وعواقب، مما يُمَكِّنُه في المستقبل على اتخاذ القرارات السليمةِ والصحيحة عندما يصبح في سنِّ المراهقة.
أعرف رجلاً كان يُصلي الجمعة ومعه ولدُه, وإذا انتهت الصلاة يطلب الابن الذي لم يتجاوز السابعة من عمره من أبيه أنْ يرجع إلى البيت بصحبة عمِّه حيث يصطحب أبناءه معه, وكان يقول له: يا بنيّ أنت بالخيار في ذهابك معهم, ولكني أنصحك بأن يكون رجوعك مع من قدمت معه, حتى لا يحصل في المستقبل لبسٌ فيذهب الجميع عنك, وهم يعتقدون أنك مع أحدهم, فكان لا يُبالي بذلك, ويأبى إلا الذهاب معهم, وفي أحد الجُمع حصل ما توقعه الأب, فحينما رجع إلى البيت وإذا بأخيه قد حضر دون ابنه! فقال: أين ابني؟ قال: ألم يذهب معك؟ قال: لا! قال: إذن هو في المسجد, فلم يُبال الأب بذلك, وانتظر ما يُقارب ربع ساعةٍ ثم ذهب, فإذا به قد مشى مسافةً ليست بالقصيرة, ودموعه على خديه, فأخذه وقال له: أتذكر ما قلته لك سابقاً؟ فكان في ذلك أبلغ درسٍ للابن بأن يتحمل نتائج ما يتخذه من قراراتٍ, وأنْ يستمع لنصائح أبيه.
وأما الطفل الذي لا يُتيح له أهلُه أن يتخذ قراراته, ولا أنْ يقوم بتجارب, ويخبرونه دوماً ماذا يفعل وبماذا يقرر, ويتحكَّمون في تصرفاته من غير أنْ يُؤخذ رأيه فإنهم لن يتيحوا له أن ينمو نمواً جيداً, ولن يتطور تفكيره, وتقوى شخصيته.
وستضعف شخصيته أمام أصدقائه, ويتَقبّل منهم كلَّ شيءٍ ولو عاد عليه بالضرر؛ لأنه لم تُحنكه التجارب, ولم يتخذ قراراتٍ في الماضي يعرف عاقبتها ومضرتها.
وسيكون انتماؤه إليهم أكثر من انتمائه إلى أهله, الذين طالما ضيقوا عليه في اتخاذ ما يراه وما يناسبه.
والأخطر من ذلك أنه لن تكون عنده معرفةٌ وخبرةٌ بالأخطار وكيفيةِ التعامل معها, حيث لم يسبق له أنْ واجه شيئاً منها, وسيكون فريسةً سهلةً لجلساء السوء؛ لأن شخصيَّته ضعيفةٌ مهزوزة.
وصدق الشاعر:
عَرَفْتُ الشّرَّ لا لِلشّرِّ \... لَكِنْ لِتَوَقّيهِ
وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشّرَّ \... منَ الناسِ يقعْ فيهِ
واعْلم أنَّ الكَبْت والْمَنْع والحجر على الأبناء رُبَّما جاء بنتائج عكسية, فكم رأينا من آباءٍ تعاملوا مع أبنائهم بهذه السياسة, وربَّوهم على عدمِ الْخُلطة مع الناس إلا في نطاقٍ ضيِّق, ومنعوهم من الذهاب والإياب إلا ما كان تحت نظرهم, فما إنْ كبروا, وتخرَّجوا من الْمرحلة الثانوية, وأصبحتْ سُلْطتهم بيدهم لا بيد غيرهم, وواجهوا الْمجتمع بلا خبرةٍ كافية, وتجاربٍ أنتجت لهم قناعةً وحِنْكة, إذا بهم يلْهثون وراء الْمُلهيات والشهوات, وصاحبوا مَن هبّ ودبّ, وأهملوا الدراسة والجامعة, كلّ هذا بسبب التربية السقيمة, التي مبناها على الكبت والْمنع, وحجب الثقة وقلَّةِ التجارب.
وأما مَن أتاح لهمُ الحرية والاختيار مُطلقاً, ولو على حساب دينهم وصحتهم وأخلاقهم, فقد ارْتكب جريمةً في حقهم لن ينسوها في كبرهم.
فكم رأينا من أطفالٍ أُصيبوا بأمراضٍ وعاهات, كداء السكر وضعف البصر, وبعضُهم خسِرَ أخلاقَه ودينَه ومروءتَه؛ لأنَّ أباه أتاح له كلَّ ما يريد في صغره, فأصبح في كِبَره ضالَّا بذيئاً سيِّئاً.
وكم رأينا من فتياتٍ يرتدين الألبسةَ المخلَّةَ بالأدب والحشمة، الداعيةَ إلى نزع الحياء والفطرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم : \" صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ». رواه مسلم[64].
قال ابن عبد البر رحمه الله, في شرح الحديث: فكل ثوب يصف ولا يستر، فلا يجوز لباسه بحال، إلا مع ثوب يستر ولا يصف، فإن المكتسية به عارية..
أما قوله: كاسياتٌ عاريات، فمعناه كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة، إذ لا تسترهن تلك الثياب. ا.ه[65]
فبيّن رحمه الله أن اللباس الذي يصف البشرة: وجوده كعدمه، وأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال لبسه، إذا كان على عضوٍ يجب ستره.
وقال الإمام الفقيه محمد بن عثيمين رحمه الله في لبس النساء أمام النساء الملابس ذات الأكمام القصيرة، والفتحاتِ من جهةِ النحر أو الظهر، أو الساقين، والملابس الضيقة أو الشفافة، ولبس الملابس القصيرة وهو ما يصل إلى نصف الساقين: الذي أراه أنه لا يجوز للمرأة أن تلبس مثل هذا اللباس، ولو أمام المرأة الأخرى؛ لأن هذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم : \" صنفان من أهل النار لم أرهما، نساءٌ كاسيات عاريات، مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة\" ا.ه[66]
وإنّ تساهل الآباء والأمهات في لباسِ بناتهم، وعدم الإنكار عليهن على لباسهنّ الضيق أو القصير أو الشفاف: لهو ذريعةٌ إلى ترك الاحتشام والحياء، فاليوم تلبس إلى نصف الساقين, ويَظهر شيءٌ من الكتف، وأجزاءٌ من الصدر، فتكبر الفتاةُ على هذا الحال, ويبدأ الحياء والأدبُ يخفّ شيئاً فشيئاً, وربما اسْتمرأت الخروج بلباسها المخزي عند محارمها الرجال!.
والفتاةُ عندما تظهر مفاتنها، كصدرها وأكتافها وأنصاف ساقيها، ناهيك عما زاد على ذلك، فإنها تكون بذلك سبباً لافتتان بعض النساء بها، وعشقها وغرامها، حتى إن بعضهن لا تنام بسبب التفكير بها والعياذ بالله، وكل هذا ليس ضرباً من الخيال والمبالغة، بل هو ما نراه ونسمعه واقعاً عند بعض النساء.
وكم أُصيب الكثير منهن بالعين والحسد, بل وبالسحر أيضاً, جرَّاء عرْضها لزينتها وجمالها.
فيا ويل هؤلاء الآباء والأمهات الْمُتساهلين الْمُفرطين من حسابٍ عسيرٍ يوم القيامة, قال صلى الله عليه وسلم: \"كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ, وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ, وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ\". متفق عليه[67]
سيقف الأب الذي لم ينكر على ابنته في لباسها, وستقف الأم المطاوعة لبنتها في لباسها، سيقفون جميعاً أمام الجبار ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾الصافات: 24, سيسألون عن هذه الأمانة التي حمِّلوها، وهذه الرعية التي استرعوها ، فلنعد للسؤال جواباً ، وللجواب صواباً ، فما أدق الحساب ، وما أشد العقاب.
فإنَّ تساهل الآباء مع أبنائهم وبناتهم في المنكرات والمحرمات: لهو من الأخطاء العظيمة, والذنوب الكبيرة, ويحتجُّ بعضهم ويبُرِّرُ لنفسه بأن ابنه ما زال صغيرًا، وأنه إذا كبر سيتركها, وبعضهم يحتج بأنه لا يُريد تعقيده, وأنه يخشى أنْ يُنفِّره, وأنه يفعل ذلك رحمةً ورفقاً به وما شابه ذلك, وما أجمل ما قاله ابن القيم - رحمه الله - في حقِّ هؤلاء: \"وكم مِمَّن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانته على شهوته، ويزعم أنه يُكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوّت عليه حظّه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد، رأيت عامته من قبل الآباء\". ا.ه[68]
[63] تفسير المنار 5/ 72
[64] (2128).
[65] ( الاستذكار 8/307).
[66] مجموع الفتاوى 12/280
[67] البخاري (2409), ومسلم (4828).
[68] تحفة المولود : 242