تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القاعدةُ السادسة: أنْ نُعوِّدهم على مراقبة الله لا مراقبتنا, وعلى الْمُراقبة الذاتية, لا مراقبة ما يقوله الناس.

من المعلوم أن الطفل عندما يكبر, وبخاصةٍ إذا وصل إلى سنِّ المراهقة, فإنه سَيُحاول ويسعى في توسيع مَداركه وحُرِّيَّتِه, وينشئ استقلاليته, وهذا بحدِّ ذاته أمرٌ طبيعي وإيجابيّ.

ومن المعلوم أنه سيحصل على الكثير من الحريات والامتيازات في الوقت المعاصر، أكثر مما كان عليه الوالدان في السابق، وهذا ناتجٌ عن الْمُتغيرات والْمُستجدَّات التي تحدث كلَّ يومٍ في الحياة.

فأكثر أوقات الْمُراهق لا يكون فيها مُراقبًا, فلا يُمكن للوالدين أنْ يُراقباه في مدرسته, وأثناء الزيارات العائلية, وخلال وجوده مع الشبكةِ العنكبوتيةِ والتلفاز, فلن ينفع إغلاقُ القنوات ولا الجوالات؛ لأن هذا العصر عصرُ الانفتاح على العالم من حولنا, فبدلاً من إخباره دوماً أننا نُراقبه, وأننا إذا علمنا عن أيِّ تصرفٍ سيِّئ يقوم به, سَنَمْنعه من الخروج, أو من الجوالِ وما شابه ذلك, فنحن جعلناه يُراقبنا, ويُثبت لنا أنه لا يقترف إثماً أو خطأً, وهو يستطيع فعل ذلك بكلِّ سهولةٍ, ونحن لن نتمكن من منعه مهما كان, إذن, فلم لا نُعلقه بالله؟ ونُخبره بأننا لن نطلع عليه, ولكنَّ الله وحده هو المطلع؟

فلا بدَّ أنْ نزرع فيه الرقابة الذاتية, وهي غرس القيم الأخلاقية, التي تدفع الطفل على أن يراقب سلوكه ذاتيّاً, من غير أن يكون الدافع لسلوكه رقابة الآخرين له, سواءً من الوالدين أو عموم الناس والأصدقاء.

إننا إذا فعلنا ذلك: سنغرس في قلبه الخوف من الله, ومراقبته والحياء منه.

ولْنسْمع إلى لقمانَ الحكيم, وهو يُخاطب ابنه, ويربيه على مراقبة الله تعالى, ويغرسُ في قلبه الخوف منه وحده: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.

تأمل هذه الوصية العجيبة: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ إنه الأسلوب اللطيف اللين, ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أَيْ: إِنَّ الْخَطِيئَةَ والْمعصيةَ لَوْ كَانَ حجمُها مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مُحَصَّنَةً مُختفيةً فِي دَاخِلِ صَخْرَةٍ صَمَّاء، أَوْ غَائِبَةٍ فِي قعر الْأَرْضِ أَوِ أرجاءِ السماء: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ, ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: لِطَيْفُ الْعِلْمِ، فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ دَقت وَلَطُفَتْ وَتَضَاءَلَتْ, ﴿خَبِيرٌ﴾ بِدَبِيبِ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ الْبَهِيمِ.[26]

ومن أفضل الوسائل الْمُجرَّبة الْمُفيدة في تربيتهم تربيةً دينيةً صحيحة, وتعزيزِ مُراقبة الله في قلوبهم: أنْ يغرس الوالدان مكانة الجنة وحُسنها, والنار وقُبحها, في قلوبهم, فكلَّما أمروهم بأمرٍ من أمور الدين, أو نهوهم عن شيءٍ مُحرَّمٍ أو مكروه: ذكروهم بأنهم إذا فعلوا هذا الفعل الطيب والحسن فإن الله تعالى سيكافئهم بالجنة ونعيمها, وإذا ارتكبوا الأفعال القبيحة والمشينة فإن الله تعالى قد يُعاقبهم بالنار وعذابها.

ولا بدّ من تصوير الجنة ونعيمها والنار وجحيمها لهم, إما من خلال التوصيف والشرح, وإما من خلال رؤيتهم إلى نار الدنيا وجنانها وطبيعتها, وذلك عن طريق الشبكة العنكبوتية, فهي مليئةٌ من هذا النوع, فيُشاهدون ذلك بحضرة الوالدين أو أحدهما, ويقومون بالتعليق على ما يُشاهده أبناؤهم.

فسيكون عند الطفل أعظم باعثٍ على فعل الخير والأمور الحسنة, وطاعة الوالدين, وهو دخول الجنة التي قد تصوَّرها وتخيلها فيما رآه, وسيكون عنده أعظم رادعٍ عن فعل الشر والأمور السيِّئة, وعقوق الوالدين, ومُشاهدة أو لبس ما يحرم, وهو دخول النار التي قد تصوَّرها وتخيلها فيما رآه.

ولا بدّ أنْ نعلم أنّ الأطفال وبخاصةٍ المراهقين مُهيَّئون تمامًا للتديُّن والاستقامة على الدين بطبيعتهم وفطرتهم, يقول الدكتور معروف زريق في كتابه: \"خفايا المراهقة\": \"ويحقِّق الدِّين بالنسبة للمراهق ارتياحًا نفسيًّا واطمئنانًا داخليًّا، بعد أزماتٍ عنيفةٍ مرَّت به، وأحدثت هزَّاتٍ في كِيانه، فهو ملاذٌ أمين يلجأ إليه المراهق كلما عَصَفت به مشكلة، وكما أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - فجَّر العاطفة الجنسيَّة عند المراهق، فجَّر العاطفة الرُّوحية للتعلُّق به\". ا.هـ

ومن المراقبة الذاتية التي يجب أنْ نغرسها في أبنائنا: أنْ يتبعوا طريقة النقد الذاتي, وهي أنْ يَنْقُدَ أعماله وسلوكه بنفسه, فنخبره دائماً أن هذا التصرف أو السلوك السيئ: لا يليق به؛ لأنه عاقلٌ ومحبٌّ لله الذي خلقه, وهكذا, فنربي فيه الحياء من نفسه, وأنَّ له مكانةً وقدراً لا ينبغي له أنْ يفعل ما يُخل بهما, لا أن نربيه على مراقبة الناس, والحذر من نقدهم, فنقول له: إنك إذا فعلت ذلك ضحك عليك الناس, وعابوك وذمُّوك, فربما تجنب السلوك السيئ أمامهم, لكنه إذا انفرد فعل ما هو أشنع وأعظم.

فلا تُصبح عنده الثقة الكافية بنفسه وبمواهبه وقُدراته, حيث يُسيطر عليه الخوف من الناس ونقدهم, فإن فعل شيئاً إيجابياً قال: هل هذا سيعجبهم وسترتفع قيمتي عندهم؟, وربما قال: أخشى أن يضحكوا مني ويقولوا: ما فعله إلا غروراً ورياءً!.

ولا يعني هذا أنْ نجعله لا يُبالي بالناس, ولا يُلقي لهم أهمِّيَّة, بل لابدّ أنْ يحترمهم ويُقدِّرهم, لكن لا يكونوا هم مصدر التأثير عليه, بل مصدرُ التأثير عليه هو ذاتُه وقناعتُه وقِيَمُه, وقبل ذلك: ما يأمره به ربُّه ونبيُّه صلى الله عليه وسلم.

وينبغي كذلك, أنْ لا نُبالغ في إحسان الظن بالأولاد, ولا إساءةِ الظنّ بهم, \" فبعض الآباء يبالغ في إحسان الظن بأولاده، فتجده لا يسأل عنهم، ولا يتفقد أحوالهم، ولا يعرف شيئاً عن أصحابهم وذلك لفَرَطِ ثقته بهم، فتراه لا يقبل عدلاً ولا صرفاً في أولاده، فإذا وقع أولاده أو أحدٌ منهم في بلية، أو انحرف عن الجادة السوية، ثم نُبِّه الأب عن ذلك: بدأ يدافع عنهم، ويلتمس المعاذير لهم، ويتهم مَن نبَّهه أو نصحه بالتهويل، والتَّعَجُّل، والتدخلِ فيما لا يعنيه.

وهناك من يسيء الظن بأولاده، ويبالغ في ذلك مبالغةً تُخرجه عن طوره، فتجده يتهم نيَّاتِهِم، ولا يثق بهم أبداً، ويُشعرهم بأنه خَلْفهم في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، دون أن يتغاضى عن شيءٍ من هفواتهم وزلاتهم\".[27]

[26] يُنظَر تفسير ابن كثير 6/ 338

[27] التقصير في تربية الأبناء للشيخ محمد الحمد: 5

كيف تربي أولادك · الصفحة ٤٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كيف تربي أولادكص ٤٦