تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْمُقَدِّمَةُ

الحمد لله الذي تعالى عن الشريك والأنداد, وتنزَّه عن الصاحبة والأولاد, وأحاطتْ قُدرتُه وآلاؤُه جميعَ العباد, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مَنْ آمَنَ بِهِ أسْعَدَهُ يومَ الْمَعاد, ومن جحده وعانده فالله له بالمرصاد, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيِّدُ العُبَّاد والزُّهاد، الداعي إلى سبيل الهُدى والرشاد، صلى الله عليه, وعلى آله وأصحابه, الذين أفنوا أعمارهم بالدعوةِ والجهاد, وكانوا حصنًا منيعًا أمام الشرك والإلحاد, وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم التناد. أما بعد:

فيا أيها الْمُربي - أباً كان أو أُمًّا - إنَّ أغلى ما تملكه في حياتك بعد دينك, هم أولادك وفَلَذاتُ أكبادك, فهم من أعظم أسباب سعادتك أو تعاستك, فبصلاحهم واسْتقامتهم: يرتاح بالُك, وتَصفو حياتُك, وبفسادهم وتمرُّدِهم: تتكَدَّر حياتُك, وتتجرَّعُ الأسى والألم.

فالأولاد ثروتك في حياتك, (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الكهف:46.

وإنَّ الْمُربيَ العاقل مَن يسعى للحفاظ عليها وتنميتها ومراقبتها, ويطلُب الطُرُقَ والوسائل التي من خلالها يتمكن من تربيتهم التربية الصحيحة, ولو تطلَّب ذلك الكثير من وقته وماله.

وإذا كانت لك على أولادِك حقوقٌ مشروعة، فعليك واجباتٌ ومسؤولية، قال ابن القيم رحمه الله- مُؤكِّداً هذه المسؤولية-: قال بعض أهل العلم : إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة، قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقاً، فلِلْابْنِ على أبيه حقٌّ.

فكما قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ قال أيضاً : ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة﴾، فوصية الله للآباء بأولادهم سابقةٌ على وصية الأولاد بآبائهم، فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه, وتركه سدى, فقد أساء غاية الإساءة، وأكثرُ الأولاد إنما جاء فسادهم مِن قِبَل الآباء، وإهمالِهِم لهم ، وتركِ تعليمِهم فرائضَ الدين وسنَنَه، فأضاعوهم صغاراً, فلم يَنْتَفِعوا بأنفسهم ، ولم يَنْفَعوا آباءَهم كباراً. ا.ه[1]

فها أنت تسعى كلَّ يومٍ للبحث عن رزقك, وتنميةِ أموالك, وتسأل وتبحث عن طُرُقِ تنميتها وتكثيرها, أفلا يستحق أبناؤُك مثل هذا الحرص والجهد؟

وإذا كُنَّا قد سعينا في إيجادهم في هذه الحياة, فهل سعينا في تربيتهم ليُواجهوا مصاعبها وعناءها, وليكونوا عوناً وأُنْساً لنا, أم أهملنا تربيتهم ليكونوا مصدر شقاءٍ وتعاسةٍ لنا، فماذا صنعنا لهم بعد وجودهم؟ وكيف واقِعُنا معهم، وما هي أنسبُ الطرق, وأفضلُ الوسائل لتربيتهم؟

والمشكلة أن أكثر الآباء والأمهات لا يَجِدون متسعاً من الوقت أو من الصبر للاستماع والإنصات لأولادهم, كي يتعرفوا على ما في نفوسهم وخواطرِهم, ويَفْهَموا طبيعة مشاعرِهم وهمومهم، فلابد أنْ نُجاهد أنفُسنا على أنْ تتمرَّن على فنِّ التعامل مع الأبناء، وعلى التعاطي معهم بالأسلوب الأمثل, والتعامل الأفضل.

وبعض الآباء -هداهمُ الله- ليستْ لديهم مرونةٌ في التعامل، إما أسود أو أبيض، أو بعبارةٍ أخرى: إما أنْ توافق أو تفارق, أشبه بالأسلوب العسكري!.

وهذا نهجٌ دَرَج عليه بعض الآباء في الزمن السابق, حيث لا مفرّ للابن إلا إلى والدَيه, ولكنه لا يَتناسب أبداً في هذا الزمن, فلو فارقه فالأشرار سوف يتلقَّفونه ويستقبلونه, وأبواب الشرّ مُشْرعةٌ أمامه.

فمعاملة الأبناء فنٌّ يسْتعصي على كثيرٍ من الآباء والأمهات, وكثيراً ما ينشدُ الآباء ويبحثون عن أفضل السبل للتعامل معهم.

والعجيب أنك لا تكاد تجد أحداً عنده أولادٌ إلا ويشتكي من الصعوبات التي تواجهه أثناء تربية أولاده, وإذا كان لتوِّه قد رُزق مولوداً فإنه يحمل هَمًّا في الصعوبات التي ستواجهه, ويخبرك بأن الزمن والْجِيْل قد تغيَّر, لكنه لم يُكلِّف نفسه ولو ساعةً واحدةً في الشهر ليقرأ كتاباً أو يسمع شريطاً أو يَحْضر دورةً في كيفية التعامل مع الأبناء, أو على الأقل يستشير أهل الخبرة والتربية, ويقبل نصحَهم وتجاربَهم.

بل إن أكثر هؤلاء يخوضون التجارب بأنفسهم, ولم يستفيدوا من غيرهم ولا ممن سبقهم شيئاً.

ويا لَلْعجب! لو أن أحدهم أراد أنْ يدخل مشروعاً تجاريَّا, يضع فيه ما عنده من الأموال, لرأيته يسأل التجار وأهل الخبرة, ويضع تصوراً كبيراً عن هذا المشروع, بحيث لا يُقْدم عليه إلا عن قناعةٍ تامة, وخبرةٍ كافية!.

أوليس أبناؤهم, وفلذات أكبادِهم, أكبرَ وأعظمَ مشروعٍ في حياتهم؟.

وكثيراً ما يُلقي الوالدان باللوم على أبنائهم عندما يتصرَّفون بتصرُّفاتٍ سيِّئةٍ, أو يرتكبون أفعالاً خاطئةً, وينسون أنَّهما أحقُّ وأولى باللوم والعتاب؛ لأنه كان منهما نوعُ تفريطٍ وتقصير في اتِّخَاذ الأسلوب الأمثل في التعامل مع أبنائهم, فقد سبق تقصيرُهم تقصيرَ أبنائهم, وهما المنبعُ الأساس الذي إذا كان عذباً طيِّباً كان الارتواء منه سليماً, وإن كان المنبعُ مُتغيِّرًا نتناً كان الارتواء منه سقيماً.

ولْتعلموا - أيها الآباء والأمهات - : أنَّ من أراد أنْ يُربيَ أبناءه: فلْيبدأْ بنفسه فلْيُربِّهَا, ولْيُدرِّبْها على التخلُّقِ بالأخلاق الحسنة, والتعاملِ بالرفق والحلم والصبر, وليُجاهدْها على تطبيق هذه القواعد والأساليب, وإلا لأصبح كمن يزرع بذراً طيِّباً في أرضٍ جَدْبةٍ لا تُنبتُ كلأً.

فما الفائدةُ من سماع النصائح والتوجيهات, والأدلةِ والبراهين, وأنت لم تقتنع منها, أو اقْتنعت منها, لكنَّك لم تعزمْ على العمل بها؟

وليست تربيةُ الأبناء مُعقَّدةً وصعبة, بل إنك قادرٌ على ذلك بيُسرٍ وسهولة, إذا اعْتمدتّ على الله تعالى, وأخذت بالأسباب الْمُعينةِ على ذلك, والإنسانُ اسْتطاع أنْ يُروِّض الوحوش القاتلة, والسباع العادية, والصقور الجارحة, أفلا تستطيع أنت أنْ تُروِّض ابنك وفلذةَ كبِدِك؟ الذي يتفق معك في الطباع والصفات وكلِّ شيء؟

وأكثر الناس لا يُربون أبناءهم على علمٍ مُؤَصَّل, ولا على قواعد مدروسة, فينشأ الطفل كغيره من الأطفال العاديين, وإنْ حصل منه نوعُ صلاحٍ ونبوغ فهو من طرفٍ مُؤثرٍ آخر, إما من معلم, أو صديقٍ, أو دعوةٍ صادقةٍ له, أو بسبب صلاح والديه أو أحدهما.

فلا تغترَّ أنت حينما ترى أحداً من الناس له أولادٌ صالحون بارِزون, وهو لا يعرف الكتابة والقراءة؛ لأنَّ أبناءه ربما حصل لهم شيءٌ مما ذكرت, وربما لأنَّه تعامل معهم تعاملاً صحيحاً سليماً بفطرته, فهو رباهم بناءً على علمٍ فطريّ لا على علمٍ مُكتسب, والْمُؤدَّى واحد.

وخذ مثالاً على ذلك: سألت أحد الناجحين في تربية أبنائه- علماً أنه لم يأخذ إلا الشهادة الابتدائية, وليس متعلماً ولا مُثقفاً- عن سبب تفوقهم وصلاحهم, وحُبّهم وصداقتهم له، حتى إنهم إذا كانوا في مجلسٍ لا يُفضِّلون الجلوس إلا عنده والقرب منه والحديث معه, وأحدهم أصبح دكتوراً ذا شأنٍ ومكانة, والآخر على وشكِ التخرج من كلية الطب, والبقية تخرجوا من الثانوية بنسبةٍ تتجاوز الستةَ والتسعين بالمائة، وكنت أعجب من حرصهم على الصلاة, ومن أدبهم وأخلاقهم, فقال لي: \"إني أحمد الله على ذلك, والسبب الأكبر عندي هو بري الكبير بوالديّ, وقيامي بحقهما, والدعاء لأولادي في سري وعلني.

وأما عن تعاملي معهم فإني جعلتهم كأصدقائي تماماً, أعاملهم بلا تكلف, وأجد في قلبي رحمةً وعاطفة كبيرةً تجاههم, ولا أذكر أني ضربت أحداً منهم ولا مرةً واحدة, وأستشيرهم دائماً, وآخذ برأيهم، وأمنحهم المسؤولية والثقة في أنفسهم، حتى إني أعطيتهم بطاقة صرافتي, وقلت لهم: أنا ائتمنتكم على أموال أهلكم, وأُكرم أَولادي كذلك ولا أبخلُ عليهم\".

فمثل هذا الْمُربي الناجح اسْتغنى بفطرته وتربيته السليمة عن القراءة والمطالعة, وهذا الكتاب ما جاء إلا لأجل استنباط أسرار الناجحين, واقتباس أسباب نجاحهم, واستنباط أسرار الذين فشلوا في التربية, واقتباس أسباب فشلهم.

فيا أيها الأب الْمُوفَّق, قد وضعْتُ لك هذه القواعد والأساليب من هذه التجارب, وما عايشته ورأيته من هؤلاء, فاستنبطت وسَبرَت, وقارنت ورتبت, بعيداً عن التنظير الذي يقرب من الخيال, والمثاليةِ التي لا تخطر على بال, وتنزُيلها في الواقع من الْمُحال.

وأخذت ما يُدعِّم ما توصلت إليه من خلال قراءتي في هذا الفن لعشرات الكتب والخطب, والرسائل والمقالات, ومن خلال الشبكة العنكبوتية.

وهذه القواعد والأساليب التي بين يديك: هي ضالة ما ينشده الآباء والأمهات, والْمُربون والمربيات, وهي مما اتفق عليها العقلاء, وأجمع على صحتها الْمُوفقون من الآباء, ودأب عليها الْمُربون, وقررها العلماءُ والمؤلفون.

وقد أخَذَتْ وقتاً وجُهداً في إعدادها, وما عليك إلا أنْ تُرعيَ لها انْتباهك, وتُحضر لها قلبك, وتعقد العزم الأكيد على تطبيقها.

وما هي إلا أسباب, والهدايةُ بيد الله ربِ الأرباب.

وهي كلُّها مبنيَّةٌ على قواعدَ شرعيَّةٍ وتربويةٍ عظيمة, مَن أهملها حُرم الخير والفَلاح, ومَن عمل بها نالهُ التوفيقُ والنجاح.

وقد حرصت كلَّ الحرص على الاستفادة من تجارب وخبرات الْمُربين الناجحين, والتعرفِ والوقوف على تجارب الْمُربين الفاشلين والْمُفرطين, فتكونت لديَّ صورةٌ واضحةٌ عن التربية الناجحة والفاشلة.

ولقد وجدت الْمُربين الناجحين يعتمدون جميعًا في تربيتهم على ثلاثة أساليب - عفويةٍ طبعًا-:

1- الحبُّ وإظهارُه لهم, وإسماعهم عبارات الحب واللطف.

2- الاحترام والتشجيع والثناء, وإعطاؤهم الثقة بأنفسهم.

3- إكرامهم وتلبية رغباتهم في حدود المعقول.

4- مُعاملتهم كأصدقاء, ودون رسميَّاتٍ ومُراعاةٍ لضوابط دقيقة.

ووجدت الفاشلين والْمُخفقين في تربيتهم لا يتحلَّون بواحدةٍ من هذه الأساليب أو أكثرها.

وأتقدَّم بالشكر الجزيلِ لفضيلة الشيخ الدكتور: محمَّد الدّويش - الْمُشرف العام على موقع الْمُربي- على تفاعله مع هذا الكتاب, حيث قرأه كاملاً, وعلَّق عليه, وصحَّح أخطاءه, وأتحفني بما حباه الله من علمٍ في مجال التربية, ومن تجاربه وخبراته, فجزاه الله خيرًا.

وغالب تعليقاته واسْتدراكاته أثبتُّها في الحاشية.

وأشكر كذلك الشيخ بندر بن عبد الله الفايز على ما بذله من جهدٍ وسعيٍ في نشر وإيصال كُتُبي قبل طباعتها للْمُتخصِّصين كي يُراجعونها, فشكر الله سعيه, ولا حرمه أجر من قرأ هذه الكتبَ واسْتفاد منها.

***

وقبل أنْ نبدأ بالقواعد: أُحب أنْ تقيِّم نفسك وولدك بهذه الأسئلة الْمُنتقاة بعناية.

وستجيب عن الأسئلة بــ نعم , أحيانا , لا.

[1] تحفة المولود 1/ 229

كيف تربي أولادك · الصفحة ٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كيف تربي أولادكص ٦