تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القاعدةُ الثانية: الْتزم الهدوء عند توتر الولد أو عند ارتكابه خطأً فادحاً.

الأولاد كغيرهم من البشر, يحدث بينهم وبين آبائهم سوء تفاهم وتوترٌ وهيجانٌ, فينبغي للمربي العاقل أن لا يُقابل ذلك بالمِثْل, فيترتب على ذلك ما لا يُحمد عقباه.

ويكون من الأسلم انسحاب الأبوين, وتأجيل النقاش لوقتٍ آخر, وإتاحةُ الفرصة له بالتفكير, وعودة الهدوء والعقل له.

وكذلك ينبغي للأب والأم أنْ يلتزموا الهدوء عند ارتكاب الابن خطأً فادحاً, أو عملاً مشيناً, فليس التعنيف هو الحلّ دائماً, فكم من كلمةٍ طيبة, أو ردٍّ هادئٍ جميل أحدث ردَّةَ فعلٍ إيجابيةٍ من الابن, وتأثر بها, وصلُح حاله بعدها.

يقول مدير مدرسةٍ ثانوية: استيقظت مبكراً كالعادة وتوجهت للمدرسة , وعند دخولي في داخل المبنى وإذا بي أتفاجأ بكتاباتٍ على الجدران غير مناسبة, يقول المدير: وبعد التحري وحصر المتغيبين في ذلك اليوم اكتشفنا الطالب الذي قام بهذه الفعلة, فاتصلت على ولي أمره, وبعد حضوره رأى ما خطته يدا ابنه على جدران المدرسة, فقال المدير له: انظر بعينك ماذا فعل ابنك بالمدرسة, وهي جديدة, والدولة خسرت أموالاً طائلة في خدمة أبنائكم..

يقول المدير: أنا منفعلٌ ومُتوتر والأب في قمة هدوئه! فأخرج الجوال واتصل على ابنه وقال له بهدوء: أنت الذي كتبت هذه الكتابات؟؟ فاعترف الابن, فقال الأب : لماذا؟؟

فتلكَّأ في الإجابة, فأمره بالحضور, ثم اتصل على عامل دهانات, وحضر وتفاهموا على السعر واللون المناسب, ثم حضر الابن.

يقول المدير: فاعتقدنا أن الوالد سوف يؤنب ولده أشد التأنيب, وخفنا أن يضربه عندنا, لكن المفاجأة أنه التفت على ابنه وقال له كلمتين وبهدوءٍ عجيب: يا ولدي إما انفعني وإلا لا تخسرني.

وقام الأب بعدها واستأذن في الانصراف.

يقول المدير: نظرت للولد فإذا وهو واضعٌ كفيه على وجهه يبكي, وأنا والمرشد الطلابي في قمة الذهول من أسلوب هذا الوالد, ونحن نحاول تهدئة هذا الطالب, وهو في حالة بكاء.

وبعد أن هدأ قليلاً قال وهو يبكي: يا ليت أبي ضربني ولم يقل هاتين الكلمتين, وبعدها اعتذر الطالب منا, وأصبح من خيرة التلاميذ في المدرسة.

***

وعلى الأب الذي يرى تغيُّراً واضحاً في سلوك ابنه أنْ يُبادر بجدٍّ إلى علاجه وتقويمه, وهذه أهمها:

1- تغييرُ أصدقائه, فلا بدّ أن تتغير رفقته الذين هم أكبر سببٍ في فساده وانحرافه.

فإنْ استمر مع صحبته ورفقته السيئة فلن تنفع الأساليب التي سيتخذها الأب مهما كانت.

ويُمْكنك - أيها الأب- أنْ تغير أصدقاءَه بأحد الطرق التالية:

أ- أنْ تجعله يخرج معك في نزهاتك وسفريَّاتك مع أصدقائك, ويصطحبون أبناءهم, فسيتم التعرف عليهم, والتعلق بهم, والسفر خاصةً فرصةٌ كبيرةٌ لتوطيد العلاقات.

ب- أنْ تجعله يلتحق بالحلق والأندية الصيفية.

2- أنْ تُعيد له الثقة بك, والانتماء إلى عائلته عن طريق إكرامه وتشجيعه ومدحه, والصبر عليه والحلم عنه, والتجاوز عما يصدر منه من تصرفاتٍ سيئة.

3- أنْ تُشغله بما يُفيدُه, فالفراغ هو من أكبر أسباب فساده أيضاً, فهيِّئ له عملاً في محلٍّ تجاريّ, أو عندك في المزرعة أو الاستراحة, ووفِّرْ له ما يريد.

4- أنْ تسأل أهل الخبرة والتربية عن العلاج النافع, فقد تجد عندهم حلاًّ تَسعد به طول حياتك, ويقطع عنك مُعاناتك.

5- أنْ تُبعد عنه أسباب الانحراف, ومُهيِّجات الفساد, كالقنوات الهابطةِ وغيرها, والبيئة التي تُغذيه بذلك, ولو تطَلَّب الأمرُ إلى تغيير السكن أو البلد, وليس هذا بكثيرٍ على أولادك وفلذات كَبِدِك.

قال ابن القيم رحمه الله: فما اسْتُعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانِّه. ا.ه[85]

فلن يتخلص ابنك من الشر والضلال الذي هو فيه إلا بالبعد عن أسباب الشر ومظانِّه.

أرأيت لو أنَّ ولدك - لا سمح الله- بدأ يظهر عليه داءُ الأَكَلَةِ, وهي التي تُسمَّى الغرغرينة, أكنت تُعطيه مُسكِّناتٍ ليَسْكُنَ الألم, أم كنت تبحث عن طبيبٍ يستأصل الداء من أصله, ويقتلعه من جذوره؟.

وهكذا ابنك -يا رعاك الله- عندما يظْهر عليه داءُ الانحراف, ومرضُ السلوك السيِّئ, فاسْتأصل الداء من أصله, وهو الرفقة السيئة, والقنوات الهابطة, وطريقةُ تعاملك الجافة معه.

***

كيفية التعامل مع المرض العضويّ:

هذا بالنسببة لعلاج السلوك والْمرض الْخُلُقيِّ, وأُحبُّ أنْ أستطرد قليلاً فيما يتعلَّقُ بعلاج الْمَرضِ الْعضويِّ, حيث إنَّه لا يخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أنْ يكون مرضًا مُستديمًا, كالشلل ونحوه - عافانا الله تعالى - فالواجب على الوالدين أن لا يدعا سببًا إلا فعلاه, وأنْ لا يستهينا بالبحث عن سبب العلاج ولو بشكلٍ جُزئيّ.

وممَّا ينبغي التَّنَبُّهُ له أنْ يكون التعامل معهم برفقٍ ولينٍ أكثر من غيرهم, حيث يشعرون بالنقص, فيأتي دور الوالدين بسدّ هذا النقص بمزيدِ رحمةٍ وشفقةٍ.

ولا ينبغي الإفراط في ذلك, حيث يشعر الابن بأنه ناقصٌ وأقلُّ من غيره, فتحدث عنده حالةٌ من الإحباط والشعور بالنقص.

بل ينبغي تعويضه بما يُناسبه من ألعابٍ, وإدخاله في بيئةٍ يُبدع فيها حسب قدراته ورغباته.

الحالة الثانية: أنْ يكون مرضًا عارضًا, كالزكام والحوادث ونحوها, فينبغي على الْمُربي الناجح أنْ يتبع الخطوات التالية:

الخطوة الأولى: أنْ يتعامل مع الموقف باتزانٍ وتوسط, لا جفاء وعدم مُبالاةٍ, فيشعر الابن بانحطاط قدره عند والديه, ولا بخوفٍ مُفرط, فينمو فيه الخوفُ والجبن.

الخطوة الثانية: الْمُبادرةُ بالعلاج, فالإهمال قد يُسبب عواقب وخيمةً, فكم سمعنا ورأينا أثر ذلك, يُحدثني أحدُ الأصدقاء أنَّ أخاه أُصيب بارتفاع الحرارة, فلم يُبادر أهلُه بعلاجه, فزادتْ حتى بدى ذلك عليه, فلما ذهبوا للطبيب قال لهم: لقد تأخرتم! تلفت خلايا مُخِّه مِن شدّة الحرارة!.

الخطوة الثالثة: البعد عن المضادات الحيوية بقد الإمكان, واسْتبدالُها بعلاجاتٍ نافعةٍ مُجرَّبة, خاصةً في الأمراض اليسيرة كالزكام والصُّداع وبداية الالتهابات, فعدما يعتاد الطفل مثل هذه المضادات فإنَّ مناعته ستَضْعف مع الزمن.

وهنا ينبغي التنبُّه إلى أنَّ الالتهابات الخفيفة لا تحتاج إلى مضادٍ لمعالجتها, كالْتهاب الحلق, والكحة, وآلام الأذن, وخاصةً الإنفلونزا.

فهذه الالتهابات يُمكن علاجُها بشرب السوائل وخاصةً الماء, سواءٌ كان لوحده أو مخلوطًا بالعسل أو الليمون, وتناول الطعام الجيد والصحيّ, والراحة الكافية, ولا لزوم للمضادات لمعالجة الإسهال, فقد يكون استعمالها مضرًا.

وقد ذكر كثيرٌ من الأطبار والْمُختصِّين أن المضادات الحيوية تستخدم لعلاج الالتهابات البكتيرية، وهي ليست فعالة في علاج الالتهابات الفيروسية، وإنما هناك مضادات خاصة للفيروسات، إلا أنها ليست متوفرة دون وصفات طبية، وكثير من الأمراض الفيروسية الشائعة تختلط لدى الناس فيأخذون لها المضادات الحيوية.

لذلك لا ينبغي تناولُ المضادات الحيوية في حالة الإصابة بالسعال والزكام أو غيرها من الالتهابات الفيروسية, إلا في حال المضاعفات.

وإن استخدام المضاد الحيوي في حالة عدم الحاجة إليه والاستخدام المتكرر لفترة طويلة للمضادات يسبب العديد من المضاعفات والأعراض الجانبية، وقد يعرض الإنسان للخطر.

وإن الاستخدام السيئ للمضادات الحيوية يقضي على البكتيريا الطبيعية التي تعيش في الجسم, وتحل محلها البكتيريا المقاومة للعلاج, والتي لا تستجيب للعلاج بالمضادات، هذا بالإضافة إلى الأعراض الجانبية العديدة, مثل الإسهال, وآلام المعدة, والدوار, والحساسية، وفي الحالات الحادة ضيق النفس.

وهناك أعراض جانبية خاصة لكل مضاد حيوي، منها الحساسية المفرطة: فبعض الأشخاص تتولد لديهم هذه الحساسية نتيجة تناولهم المضادات الحيوية.

إنَّ من أهمِّ ما يلزم في هذه الحالة هو تناول الكثير من السوائل, وإعطاء الطفل كميةً كافيةً من الطعام ليستردّ عافيته ونشاطه, وليتمكن بها من مُقاومة المرض الذي أصابه.

ومن أنفع العلاجات لالتهاب الحلق والزكام: الغرغرة بالملح, فيستعمله الطفل ثلاث مرَّاتٍ يوميًّا, مع شرب ماءٍ مخلوطٍ بعسلٍ وليمون, وإنْ صاحبته حرارةٌ فيُعطى خافض للحرارة, وإن احتاج للبُخار فلا بأس, وخاصةً إنْ شعر بضيقٍ في التَّنفس, وهذه الطريقةُ تُغني عن المضادات تمامًا, وهي مُجرَّبةٌ ومعمولٌ بها, وأنا أستعملها مع الأولاد منذ سنواتٍ ووجدْتُهَا تُغني عن المضادات والحمد لله.

وهنا يأتي دور الأب, فليست التربية مُقتصرةً على الأم فقط, وليس علاج الأولاد مقصورًا عليها فقط, بل يجب على الأب أنْ يُساهم في ذلك, وأنْ لا يتَّكل على الأم فقط.

***

[85] عدة الصابرين /86

كيف تربي أولادك · الصفحة ١٢٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كيف تربي أولادكص ١٢٠