القاعدةُ الحادية عشرة: تَعَامَلْ معهم بلا تصَنُّعٍ ولا تكلُّفٍ ولا تمثيل.
بعض الآباء والأمهات يكونون بين الناس لطيفين طيِّبين, ويتحلَّون بأخلاقٍ وتصرفاتٍ حسنةٍ جميلة, ويكونون مع أصدقائِهم وزملائهم في العمل في غاية المرح والتسامح, والبشاشةِ ورحابة الصدر, وإذا دخلوا بيوتهم بدؤوا بالتمثيل والتصنع, فيأخذون أقبح لباسٍ ليلبسوه, وأبشع دورٍ ليمثلوه, فيدخلون عابسين مُقطبين, لا يستحملون من أبنائهم وأهلهم أيَّ زلَّة, ولا يتجاوزن عن أدنى خطيئة.
فمعاملتُهم وأخلاقهم مع زملائهم وأصدقائهم لم تكن لله خالصة, بل هي أقرب للرياءِ والتصنُّع, وطلبٍ للسُّمعةِ والمدحِ والثناء.
فلْنعش بأخلاقٍ سمحةٍ ليّنةٍ مع أهلنا وأبنائنا, ولْنخلع عنَّا لباس التصنع والتمثيلِ والتأويل, فإذا أحسن أحدهم, أو رأيت منه أمراً يُحمدُ عليه, فامدحه واشكره, وإذا أخطأ عليك أحدهم فلا تكثر عتابَه, وإذا قابلك أبناؤك فبُشَّ في وجوههم, واحذر مِن ترك ذلك بتأويلاتٍ فاسدةٍ, كأن تعاتب أحدهم خشية أنْ لا يكرر خطأه مرةً ثانية, وغير ذلك.
فما يكون في صدرك من شعورٍ حسنٍ فأظهره ولا تكتمه, وما يكون من شعورٍ سَيِّئٍ فلا تُخرجه بأسلوبٍ بذيء, بل عبِّر عنه بكلام هيِّنٍ لطيف.
ومع الأيام سترى تغيُّراً طرأ عليك لا يخطر على بالك, وسترى أنَّ الحياة أسهل مما كانت عليه, وستشعر براحةٍ وسرورٍ عجيب, وما ينتظرك من الأجر والثواب الجزيل هو أعظم وأفضل من ذلك.
وانظر وتأمل إلى سماحةِ أخلاقِ النبي صلى الله عليه وسلم, وعدمِ تكلُّفه وتصنُّعه.
فقد كان أشد الناس تواضعاً, يعود المرضى, ويشهد الجنائز, ويجيب دعوة المملوك, يخصف نعله, ويرقع ثوبه, ويكون في مهنة أهله, ويمشى وحده بلا حارس.
لا يأنف ولا يستكبرُ أن يمشي مع الأرملة والمسكين, قال أنس رضي الله عنه: إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. رواه البخاري[42]
كان أصحابه لا يقومون له, لما يعلمون من كراهته لذلك, وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم.
كان يمازح الصبيان, ويداعبهم, بل ويناديهم بأحب أسمائهم, فيمازح طفلاً صَغِيراً فيقول: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ, ويهدي لطفلةٍ صغيرةٍ ثوباً, ويقول مداعبا لها: يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا, يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا, وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشِيَّةِ الْحَسَنُ.
هذا وهو رسولُ الله, وخليلُه وصفيُّه, وأتباعُه وأحبابُه ملؤوا الدنيا, ومع ذلك يتعامل مع الناس كلِّهِم, بهذه البساطةِ واللَّطافة والسماحة.
فهل نتعامل نحن الْمُقَصِّرون الْمُذنبون مع أبنائنا وأزواجنا, كما كان يتعامل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
[42] (6072).