القاعدةُ العاشرة: أنْ تُعامل ابنك باحترامٍ وتقدير، وأنْ تُشعره بمكانته وقدره عندك, وأن يكون لحضوره قيمةٌ في المجلس, فما هو شعور ابنك تجاهك, عندما يَرجع من سفره, فتقوم له وتُعانقُه وتُظهر له شوقك وانتظارك له, وما شعورُه وأنت تستشيره وتأخذُ برأيه؟
لابُدَّ أن يكون لرأي الولد ثِقَلٌ ووزن, تصير إليه وتعمل به.
أُتِيَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِقَدَحٍ مِن ماء, فَشَرِبَ منه, ثم نظر في وجوه القوم, فإذا عَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ هُوَ أصغرهم, وَالأَشْيَاخُ والكبار عَنْ يَسَارِهِ, فقَالَ: يَا غُلاَمُ, أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ؟ لأن السنة أن يدور الشرابُ عن يمين الشارب لا عن يساره, وتأملْ: رسولُ الله وخليلُه وصفيُّه, يطلب الإذن من صبيٍّ صغير, قد لا يتجاوز العشر سنوات, فَقَالَ الطفل الصغير: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ, فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. متفق عليه[39]
يستأذن هذا الطفل الصغير بكلِّ أدبٍ ولطفٍ \"أَتَأْذَنُ لِي\"؟, وأيُّ أثرٍ ستتركه هذه الكلمة الجميلة في هذا الطفل الصغير؟, وأحدنا ربما لم ينطق بهذه الكلمة, ولم تمرّ على لسانه إلا إذا خاطب أصحاب الشخصيات الكبيرة المرموقة!, وأما أبناؤه وأحبابه فلا يُفكر أن يقولها, ولا يستسيغ نطقها.
فهكذا يعطي صلى الله عليه وسلم للصبيِّ قيمته, ويُشعرُه بأهمِّيَّتِه وقدْرِه.
وهكذا فلْيكن تعامُلنا مع أبنائنا.
دخل رجلٌ لأحد محلات الملابس, يريد أن يشتري لباساً لطفلِه الصغير، الذي لا يتجاوز الست سنوات, لكنَّه لم يُحْضرْ معه طفلَه، فكان حائراً في المقاس, فإذا به يرى في نفس المحل رجلاً معه ابنُه, ويُقاربُه في الطول والسنّ, وقد أُعطي هذا الرجلُ موهبةً في تعامُله مع أبنائه, فتقدم إلى الرجل يستأذنه في أن يقيس اللباس على ابنه, ليتأكد من المقاس، فابتسم الرجل في وجهه وقال: أنا شخصياً لا أُمانع، عليك أن تستأذنه هو, فاستأذنه فوافق على ذلك, يقول: فتعجبتُ من تقدير هذا الأب لولده الصغير.
فمن المهم جدًّا أن نُؤكد لأبنائنا أنَّهم مهمون عندنا, وأنَّ رأيَهم له حظٌّ ومكانةٌ لدينا.
وهذا يتم عن طريق إخبارهم بما نجده فيهم من النواحي الإيجابية والجيدة، وأنْ لا نُخفي عنهم ذلك أبداً, وهذا سَيُدعِّم ويُرسخ ما فيهم من النواحي الإيجابية والجيدة, وسيحاولون أن يكونوا عند حسن الظن دوماً, لئلا يسقطوا من أعيننا.
ومن مظاهر الاحترام: أنْ نُشعِرَهم بأننا نثق بهم، مع شيءٍ من المراقبة والتوجيه, وذلك بتكليفهم بمهامٍ ومسؤوليات, لا يقوم بها في العادة إلا الأب.
\"ومما يزرع المزيد من الثقة: هو الاستقرار وفق معيارٍ واحدٍ في التعامل مع الابن, نظامٌ واحدٌ نسبياً داخل الأسرة: يمنح الطفل مِزاجاً عاطفياً أكثر استقراراً, ويساعده على فهم العالم واستيعابه وفق قواعد يمكن الرجوع إليها\".[40]
ومن مظاهر الاحترام أيضاً: أن لا تمنع الطفل عن الكلام إذا أراد ذلك, وتُسْكته كلَّما همَّ بالحديث, والتعبيرِ عن وِجْهَةِ نظره ورأيه، وإياك أن تزجره إذا أراد الجلوس مع الكبار، فينشأ الطفل ضعيفَ الشخصية, غيرَ قادرٍ على التصرف في المواقف الصعبة.
فالحبُّ والثقةُ والتفاهمُ والاحترامُ الموزع بين كلِّ الأبناء بعدلٍ وإنصاف: سيجعل الحياة الأسريةَ أيسر وأسهل, وأقوى تماسكاً, وأشدّ ترابطاً.
\"والبيت المسلم المثالي فيه جلسة دورية أسبوعية تُعرض فيها أمور البيت، الطعام واللباس والمسكن واللعب والهدايا والزيارات والرحلات والعقوبات والمكافآت\... وغير ذلك من أمور البيت, يتصدر الأب رئاسة الجلسة, وتتولى الأم أمانة المجلس, فتعرض خلاصة الجلسة السابقة, وتذكرهم بأهم القرارات السابقة, والتي تتطلب المتابعة والتقويم، ثم يسجل كل فرد مقترحاته وقضاياه التي يريد طرحها على المجلس, ثم يبدأ الأب فالأم فالأبناء حسب تسلسل أعمارهم, فتعرض القضية وتناقش ويتخذ فيها القرار ثم تختتم الجلسة بتلاوة القرارات المتفق عليها.
إن بيتاً مثل هذا البيت سيقدم للأمة المسلمة أفراداً صالحين رضعوا العمل الجماعي منذ نعومة أظافرهم وتدربوا على الشورى منذ صغرهم وتعاونوا على البر والتقوى\".[41]
[39] البخاري (2366), ومسلم (5412).
[40] أولادنا من الطفولة إلى الشباب, لمأمون مبيض
[41] فن تربية الأولاد في الإسلام, للدكتور محمد سعيد مرسي: 2/17