تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القاعدةُ الثامنة عشرة: أعطهم حُقوقهم وواجباتهم, وكُنْ كريماً معهم, وفاجئهم بالهدايا والنزهات؛ لأنَّ فمه أكثر يقظةً من عقله، ولذيذ الطعام أحبُّ إلى بعض الأطفال من جميل الكلام.

إنَّ الأب الذكي: هو الذي يَدخل بيته أحياناً وفي يده هديةٌ أو مُفاجأة.

وأفضل الهدايا وأنفعها: ما كانت هادفةً ومُنمِّيَةً لمهاراته وسلوكه, كالألعاب الذكية التي فيها استعمال العقل والذهن, وكتب الرسم والقراءة والتلوين, والهدايا التي تفيده في دينه وخلقه, كالمصحف الناطق.

ومما جربته فوجدته نافعاً مُفيداً: أني اشتريت لأبنائي الصغار وأكبرهم عمره ثمان سنوات وأصغرهم عمره خمس سنوات, اشتريت لهم كتباً مُنوعةً, فالصغير أعطيته الكتب السهلة, التي فيها تلوين الحروف والكلمات, والكبير أعطيته الكتب التي فيها قصص الحيوانات والغابة, وقلت لهم: الذي يُنهي كتابه فله الجائزة وهي عبارة عن مبلغٍ من المال, وقلمٍ وكتابٍ آخر, فما مضت عدة ساعاتٍ حتى ملؤوها بالحماس والنشاط والفرح, وجاؤوا إليّ يُبشرونني بانتهائهم منها, ويطلبون الجائزة والكتاب الآخر.

فعادت عليهم هذه الهدية بالنفع والمتعة والفائدة, وتحسنت كتابتهم وقراءتهم, وتعلقوا بالكتاب بشكلٍ أكبر.

وابتعد عن الألعاب الإلكترونية بقد الإمكان, فإن اضطُررت إليها تحت إلحاح الأبناء: فلْتكن في وقتٍ محدَّدٍ, لا بشكلٍ عشوائي, فقد أثبتت الدراسات ضررها على عقائدهم وأخلاقهم, وفهمهم وبصرهم ونفسيَّاتهم.

وهنا أقف مع شيءٍ من أضرار هذه الألعاب فأقول: أجمع الباحثون والْمُخْتصون على أنَّ لها أضراراً ومخاطرَ عَدَّة, فمن أضرارها:

1- أنها من أهم أسباب الإصابة بالسُّمْنة، والسُّمْنةُ يندرج تحتها العديدُ من الأضرار الكثيرة.

ومن الأضرار أيضا: أنها تُسبب لهم ضعفَ البصر, لِمَا لِأَشعَّةِ التلفاز والأجهزةِ, من تأثيرٍ على الشبكية في العين.

2- أنها من أعظم أسباب ضعف الجسم بشكل عام, وذلك لقلة حركتهم.

3- أنها مِن مُدمرات شخصيةِ الإنسان وعقله, وقد قال أحدُ الْمُختصين والباحثين: إنَّ كلَّ لُعبةٍ فيها سرعةٌ, أو منافسةٌ أو مطاردةٌ, ككرة القدم, أو لعبةِ القتل وسباقِ السيارات وغيرِها, فإنها بعد القيام بِلَعِبِهَا لمدةِ ثلاثةِ أشهر: تُحدث خللاً في ثلاثِ قدراتٍ في العقل, في الانتباه والتركيز والتذكر.

فإذا لَعِبَ ساعةً كلَّ يومٍ, لمدة ثلاثة أشهر, فإنه سيفقدها تدريجياً.

وذلك لأنه يلعب وهو جالسٌ بعقله وتفكيره, ويحرك ذبذبات المخ, فعندما يُصْبِحُ لَعِبُهُ بشكلٍ دائم: فإنَّ الْمُخَّ سيبدأ بالضعف؛ لأنه أُجهدَ فوق حدِّه وطاقته.

ومثال المخ في هذه الحالة: كمن يجري لمسافةٍ قليلة: فإنه لن يتضرر إذا جرى بسرعةٍ شديدة, ولكن حينما تكون المسافةُ بعيدة, فإنْ جرى بنفسِ السرعة سيُصابُ بالإعياء والضرر, وإذا اسْتمرّ على ذلك, فسينتهي به الأمرُ إلى عاهةٍ خطيرة, أو إصابةٍ دائمة.

والعقل كذلك, متى ما أُجهد لمدةٍ طويلة, فسينتهي الأمر به إلى فساده وخرابه.

4- أنَّها من أعظم أسباب الغضب الْمُفرط عندهم, وعدمِ قدرتهم على أن يتحكموا بأعصابهم.

وذلك لأنَّ فيها مُنافسةً وتحدٍّ, فيلعب وهو مشدودُ الأعصاب, فإذا انهزم غضب وانْفرطَتْ أعصابُه, ومع الأيام سيُصبح عصبيَّ المزاج, يغضب لأتفه الأسباب.

5- أنَّها تُضرُّ بدينهم وآدابهم, فكم في هذه الأجهزة من صورٍ مشينة, وأفلامٍ ومقاطع مُثيرةٍ للغريزة, التي تُؤدي بهم إلى الانحراف والرذيلة, وسلوكِ الطُّرقِ المخزية والمحرَّمة.

6- أنها تُسبب لهمُ الإدمان, وهو أمرٌ طبيعيٌّ يُواجه هؤلاء الصغار, بل وحتى الكبار, فاللاعب المدمن, غيرُ قادرٍ على أنْ يتوقف عن اللعب.

فالطفل الذي اعتاد على هذه الأجهزة, لا يستطيع مُفارقتها أبداً, فإذا ذهب مع أُسرته لنزهةٍ: اصطحب جهازه معه, وإذا أراد النوم: نام والجهاز بين يديه.

والإدمان يُسبب الكثير من المشاكل, فهو يُدخل اللاعب في عزلةٍ وانطوائيَّةٍ سلبية, التي تُفقده حياتَه الشخصية، ويخسر بسببها عائلته وأهله.

ومن مشاكل الإدمان أيضاً: أنه يُسبب قلةَ التركيز, وربَّما وصل الطفل إلى مرحلةِ البلادة, وعدمِ الاعتماد على نفسه, فتجد الأطفال المدمنين, لا يستجيبون بسرعةٍ لنداء والديهم.

ومن مفاسد الإدمان أيضاً: أنه يُلهي عن الصلاة والواجبات الشرعية.

والواجب على الآباء والأمهات: أنْ يتقوا الله في أولادهم, وأنْ يتخذوا الوسائل الصحيحة النافعة, مع هذه الألعاب والأجهزة الحديثة, لكي يحموا أولادهم من الإدمان عليها، وذلك بمراعاة ما يلي:

أولاً: أنْ يُشجعوهم على مزاولة الألعاب الجماعية، وتفضيلِها على النشاطات الفردية، فإذا اندمج الطفل فيها: فإنه سيقلُّ عنده الحماسُ لهذه الألعاب.

ثانياً: أنْ يُشجعوهم على هوايةٍ ومِهنةٍ مفيدة, ويدعموهم بالمال والأدوات والمكان.

ثالثاً: أنْ يحرصوا على البرامجِ والألعابِ الهادفة, التي تعتمد على الذكاء.

رابعاً: أنْ يُحدِّدوا لهم وقتاً للعب بها, لا يتجاوز ساعةً أو ساعتين في اليوم, وأنْ لا يأخذوها خارج البيت.

وقد نقل بعض الباحثين: عن خبراءِ الصحة النفسية والعقلية, أنهم أجمعوا على ضرورة قضاء خمسٍ وسبعين بالمائة: من وقت فراغ الطفل في أنشطةٍ حركية، وقضاء خمسٍ وعشرين بالمائة: في أنشطةٍ غيرِ حركية، والْمُصيبةُ أنَّ أطفالنا يعملون بالعكس من ذلك تماماً.

خامساً: أنْ تكون خاليةً من الصور العارية, التي تُثير الغرائز لديهم.

سادساً: أنْ لا يكونوا في عزلةٍ أثناء لَعَبِهم, بل يجب أنْ يكونوا في مكانٍ مكشوف.

والمشكلة أنَّ أكثر الآباء والأمهات, لا تخفى عليهم هذه الأضرار, وإذا نُصحوا وذُكِّروا بها: تعلَّلوا بعللٍ واهية, وحججٍ عقيمة, وهي أنهم بهذه الألعاب يستريحون من إزعاجهم, ويتخلصون من لعبهم في البيت.

فلا يُهمُّهم إلا راحتُهم, ولو على حساب صحَّةِ أبنائهم, وسلامةِ عقولهم وأخلاقهم.

نسأل الله تعالى أنْ يُصلح أبناءنا, وأنْ يُجنِّبهم ما يُفسدهم ويُؤذيهم بمنِّه وكرمه.

وتعوَّد دائماً أنك إذا دخلت بيتك وقابلت أولادك: أنْ تدخل بشوقٍ إلى أولادك, وقابلهم بحرارةٍ عميقة, وأخبرهم بأنك اشتقت لهم, وقبِّلْهم كلَّما دخلت وخرجت, وستجدهم مع مرور الأيام يشتاقون لعودتك, ويترقبون وصولك, ويتألمون لفراقك.

\"وبعض الآباء يقتر على أولاده أكثر من اللازم، مما يجعلهم يشعرون بالنقص، ويحسون بالحاجة، وربما قادهم ذلك إلى البحث عن المال بطريقة أو بأخرى، إما بالسرقة، أو بسؤال الناس، أو بالارتماء في أحضان رفقة السوء وأهل الإجرام\".[57]

ومن أعظم الحقوق الواجبة على الآباء تزويج مَن يستحقّ الزواج مِن الأبناء والبنات, وإعانتُهم, والسعي الْحَثيثُ في البحث عن الكفء والْمُناسب .

وكيف يستسيغ أبٌ يخاف الله واليوم الآخر: أنْ يُؤخر تزويج أبنائه, ويتقاعس ويتساهل في هذا الأمر الْمُهم لهم, مع قُدرته على ذلك, ورؤيته لحاجة أبنائه في الزواج والعفاف.

وهو بذلك قد حرمهم من سكون النفس، وطمأنينة القلب، وخمود الشهوة.

\"ومن الآباء من يؤخر زواج ابنته بلا مسوغٍّ شرعيٍّ؛ فتراه يرد الخاطب الكفء، ويؤخر زواج ابنته إما لكونها وحيدته فلا يرغب في فراقها، أو لرغبته في أن تخدمه، أو لأنها موظفة ويرغب في مالها، أو لأنه ينتظر خاطبا غنياً يتقدم لموليته، أو لغير ذلك من الأسباب.

وهذا حرمان للفتاة من حقها في الزواج؛ فكيف تكون حالها وهي ترى أترابها من بنات عمها، أو بنات خالها، أو صديقاتها وهن يحملن الأطفال، ويسعدن بالأزواج؟

إنها تحترق كمداً وغماً، وحسرة؛ فتبعة ذلك التأخير يتحملها الأب؛ لأن الأصل أن يبادر إلى تزويجها متى تقدم لها الخاطب الصالح\".[58]

وهذه قصة فتاةٍ ذكرها أحدُ المشايخ الفضلاء يقول: هناك امرأةٌ وصل سنها إلى الأربعين ولم تتزوج بعد، وكلما أتاها الخطاب رفض والدها تزويجها، فأصابها بسبب ذلك من الهم والغم والحزن ما الله به عليم، وأصبحَتْ لا تُرى إلا بوجهٍ حزين، وأصابها من جراء ذلك مرضٌ نُقلت على أثره إلى المستشفى.

فأتاها والدها لكي يزورها ويَطمئن على صحتها، فقالت له: اقترب مني يا أبي، فاقترب منها، فقالت له اقترب، فاقترب منها أكثر فقالت له: قل آمين، قال: آمين، قالت: قل آمين، قال: آمين، قالت: قل آمين، قال: آمين، قالت: حرمك الله الجنة كما حرمتني من الزواج، ثم توفيت بعد ذلك رحمها الله.

وهذه قصة فتاةٍ أخرى, منعها أبوها حقَّها الشرعيَّ في الزواج, والاستقرار والإنجاب, وإحصان الفرج بحججٍ واهيةٍ، هذا طويل.. وهذا قصير.. وهذا ليس من مستوانا.. وغير ذلك من الاعتراضات حتى كبرت البنت، وفاتها الزواج.

فلما حضرت أباها الوفاةُ طلب منها أن تُحلِّله فقالت: والله لا أُحَلِّلك؛ لما سبَّبته لي من حسرةٍ وندامةٍ وحرمتني حقي في الحياة.

ماذا أعمل بشهاداتٍ أُعلقها على جدران منزلٍ لا يَجْري بين جدرانه طفل؟

ماذا أفعل بشهادةٍ ومنصبٍ أنام معهما في السرير؟

لم أُرضع طفلاً؟ لم أضمه إلى صدري، لم أشكُ همِّي إلى رجلٍ أحبه وأوده ويحبني ويودني، حبُّه ليس كحبك؟ مودته ليست كمودتك؟ فاذهب عني واللقاء يوم القيامة بين يدي عدلٍ لا يظلم، حَكَمٍ لا يهضم حقَّ أحد، ولكن عليك غضبي، لن أترحم عليك, ولن أرضى عنك حتى موعد اللقاء بين يدي الحاكم العليم.[59]

فهذا كلُّه بسبب البخلِ والإمساك من هذا الأب وأمثاله, فما أشقاه وما أخزاه, قتَّر على البعيد والقريب, وأفقر الابن والحبيب, أهلُه وأبناؤه منه في بلاء, وذاقوا لبخله الضَّنْكَ والشقاء, يرون أمواله لا يُحصيها عدد, ولا تحويها مدينةٌ أو بلد, بل هي مكدَّسةٌ في الصناديق والمصارف, وبِجَمْعِها وعدِّها حريصٌ وعاكف, فتبَّا له على هذا الشقاء, وتعساً له على هذا العناء, ما أخيبه وأبغضه, وما أبعده وأشأمه.

أبناؤه تتقطع قلوبهم لعيشٍ سعيد, وبيتٍ ومركب رغيد, صغيرهم يريد النكاح والعفاف, وكبيرهم يبتغي العيش في كفاف, وبناته يُردن العيش كباقي البنات, ويلبسن ويهنأن بأمواله وخَيراته, لكن قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.

باع سعادته, وخسر أبناءه, وفارق أحبابه, وأسخط ربه, بأموالٍ مكدَّسة, ودُريهماتٍ زائلة.

فهل هناك أخسر وأشقى حالا من حاله؟, وهل هناك أبغض في قلوب الناس من هذا وأشكاله؟.

يُحدثني أحدُ المسؤولين في أحد البنوك فيقول: دخل عليَّ رجلٌ رث الثياب, كريه المنظر, فظننته يطلب صدقةً تغنيه, ومالاً يكفيه, لكنه طلب مني كشف حسابه, فإذا به ما يزيد على عشرين مِليونٍ ريال, ومع هذا فقد قتَّر على نفسه وأهله وأبنائه والعياذ بالله.

وقد عدّ العلماء البخل من الكبائر, فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبني سلمة: من سيدكم ؟ - قالوا: الجدُّ بن قيسٍ على أنا نُبَخِّلُهُ, فقال : \" وأي داء أدوأ من البخل , بل سيدكم عمرو بن الجموح »[60]

فالبخل من أعظم الأمراض والأدواء, وأخسِّ الطبائع والأخلاق.

وليعلم الأب البخيل أن رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كان يَدْعُو في كل صلاةٍ ويقول: أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ. متفق عليه[61]

نعم, يدعو كلَّ يومٍ أن يُجنبه داءً أصابه, وذنبا أحاطه, فما أعظم جُرمه, وما أشنع فعله أن يَستعيذ الرسولُ والمؤمنون في كلِّ يومٍ مما اتصف وتخلَّق به.

[57] التقصير في تربية الأبناء للشيخ محمد الحمد: 5

[58] التقصير في تربية الأبناء للشيخ محمد الحمد: 14

[59] انظر: صيد الفوائد, تحت عنوان: كيف نتغلب على مشكلة تأخر الزواج, أ. محمد شندي الراوي.

[60] رواه البخاري في الأدب المفرد .

[61] البخاري (4707), ومسلم (52).

كيف تربي أولادك · الصفحة ٧٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كيف تربي أولادكص ٧٩