القاعدةُ الثامنة: أنْ نُعامل أبناءنا بالحبِّ واللين, مع الشدَّةِ والحزم, وهما قرينان مُتلازمان, لا ضدَّان مُتنافران.
التعامل باللين يكون هو الأصل والأساس, والشدةُ تكون عند الحاجة إليها.
فمن عامل أبناءه باللين والشفقة وحدها, فقد أفسدهم بالغرور والترف, ولم يُحْسنوا التصرف في المواقف الصعبة.
ومن غلَّب جانب الشدةِ والحزم, فقد جعل بينه وبينهم فجوةً وحاجزاً, وأصبحتْ طِباعُهم غليظةً جافة.
فلْنكن مُتوسطين في التعامل, ولْنحرص على كسبِ محبة أولادِنا، وأنْ يستجيبوا لنا عن حبٍّ واحترامٍ وقناعة, لا عن خوفٍ ورهبة.
فالْمـُكْرَهُ والْمُجبَر: قد ينضبط أمامك خوفاً منك، لكنه إذا خلا بنفسه فعل المحذور؛ ولذلك ربط الله تعالى بين الاستجابة وبين الرحمة واللين بقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران:159.
فأخبر تعالى - وهو أصدق القائلين- أن الرحمة التي يُغْدقها رسوله صلى الله عليه وسلم على أصحابه, ويغمرهم بها, واللين الذي يُعاملهم به: هما السبب الأكبر في استجابة أصحابه له, وانقيادهم وخُضوعهم له.
فهل بعد هذا نريد من أبنائنا أنْ يستجيبوا لنا, وينقادوا لنا عن قناعةٍ ورضا, ونحن لم نغمرهم بالحب والرحمة, ولم نُعاملْهم بمنتهى الرفقِ واللين؟
فتأمل كيف أن الله عز وجل, قد أيَّد رسولَه بالمعجزات والآيات, ومع ذلك, لو كان في كلامه غِلظة, وفي قلبه قسوةٌ وشدَّة : لتركه أصحابُه وأحبابُه, وانفضُّوا من حوله, والواحد منهم يَفديه بنفسه وماله, وهو أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم.
فأنت مع أبنائك من باب أولى, فإذا ساءت أخلاقك معهم, وقسا طبعك, فإنَّ أولادَك سينفرون منك لا مَحالة.
وبعض الآباء يتفاخر بأن أبناءه لا يعصون له أمراً ، ولا يفعلون شيئاً إلا بعد أخذ الإذن منه! لخوفهم منه ومن عقابه.
وهو لا يعلم أنه بهذا يقتل كثيراً من قُدراتهم ومواهبهم, فالخوف والرهبةُ: حجر عثرةٍ أمام الطفل تمنعه من الإبداع والجرأة والتفكير, وتحطم كيان الحب والعاطفة والرحمة التي بداخله.
ولو كانوا يفعلون ذلك هيبةً منه, وحبًّا وتقديراً له, مع شيءٍ من الخوف من تكدير خاطره لحُقَّ له أنْ يفخر ويفرح بذلك.
فالمحبة الصادقة التي يلمسها الطفل من والدَيه في صغره: لن ينساها في كِبَره.
ولذلك نرى الْمُربيَ الأعظمَ -صلى الله عليه وسلم- يُظهر الحب والشفقة على الأطفال حتى عند الآخرين، كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ أمام أصحابه يوماً، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رضي الله عنهما, عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ, يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ وذلك لصغرهما وطولِ قَمِيصِهما، فقطع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبة الجمعة, ونَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صعد الْمِنبر وقَالَ: \" صَدَقَ اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا \".[28]
والآباء لا يُطالَبون بمثل هذا, ولكنْ يُطالبون بإظهارِ الحبِّ لهم, وإخبارِهم بأنهم يُحبُّونهم ويَعطفون عليهم.
فينبغي للْمُربي الناجح: أنْ يبنيَ علاقته مع أولادِه على الحب والرحمة, لا على العنف والقسوة، وإذا كبر الطفل فأصبح شاباً, فحاجته للحب والْعطْف تكون أكثرَ وأشدَّ.
ولا يمكن للتربية أن تتم بدون حبِّ ومودَّةٍ ورحمةٍ, فالطفل الذي يلْمس من مُربيه عاطفةً واهتماماً, ويسمع منه عبارات الحب والعاطفة ينجذب نحوه، ويُصغي إليه بسمعه وقلبه, ويَبُوح إليه بأسراره وهُمومه, ولا يتحرَّج من ذلك أبداً.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بحقٍّ نبي الرحمة والحبّ والعطف, فمع كثرة مَشاغله، وانْهماكه بالتعليم والغزو والدعوة: فإنَّك لا تكاد تجد أنه مرّ على صبيٍّ أو قابله, أو أُتي به إليه إلا وتبدر منه بادرةٌ تدل على رحمته وعطفه بهم, من مسحٍ للرأس ودعاءٍ وتقبيلٍ, ليشعرهم بالحب والرحمة.
فعن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم, ويمسح رؤوسهم.[29]
ومرَّ على جَعْفَرٍ رضي الله عنه وهو صِبْيٌّ يلْعَبُ، فمَسَحَ عَلَى رَأْسه ثَلاثًا. [30]
ومَسَحَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ رضي الله عنه وَدَعَا لَهُ, وذلك حينما ذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ وهُوَ صَغِيرٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.[31]
\"وإن لَمْسةَ الحنانِ والحبِّ لها قُدرةٌ عظيمةٌ في بثّ السعادةِ والراحة والطمأنينة في نفس الطفل, وهذه اللمسة لها عميق الأثر على سلامةِ الطفل النفسية والعقلية والجسدية والروحية\".[32]
ومع هذا كلِّه, فينبغي أنْ نكون حازمين معهم تجاه الأخطاء الفادحة, والسلوكيَّات الْمَشينة, ولكن دون صُراخٍ ودعاءٍ عليهم, بل بِنَهْيِهِمْ بصرامةٍ بعدم تكرار ذلك.
ومن الحزم أن لا نتراجع عن قرارٍ عقابيٍّ اتخذناه تجاه اقترافه لسلوكٍ خاطئ, ومهما اعتذر وأبدى أسفه فلا تراجُع, لئلا يكون ذلك ديدنه كلَّما أخطأ.
ولكن إنْ عوَّض عن سلوكه الخاطئ بأعمالٍ طيبةٍ, وعلمنا صدقه في اعتذاره فلا بأس أنْ نتراجع لكي نكسبه, ونشعره بأن الحسنات يُذهبن السيئات.
ولْنُعاقبه إذا لزم الأمر, ولكن لابدّ أنْ نعاقبه بعد أنْ يُقرّ بخطئه, حتى لا يشعر بالظلم, ولْنُشعره أننا ما عاقبناه إلا لأنه ارْتكب شيئاً ليس من حقِّه, وتعدى على حقوق غيره.
ومَن فعل هذا عند عقابه لهم فإنَّ الحبَّ والعاطفة التي غرسها فيهم لن تزول.
ولا ينبغي أنْ تأخذ المربي العاطفة والرحمة في ترك العقوبة, فإنّ عقوبة المخطئ إنما هي رحمةٌ له, وشفقة به؛ وقد قيل: أعقابه لأني أرحمه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَك أَنَّ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ كُلَّهَا أَدْوِيَةٌ نَافِعَةٌ, يُصْلِحُ اللَّهُ بِهَا مَرَضَ الْقُلُوبِ, وَهِيَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ الدَّاخِلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾.
فَمَنْ تَرَكَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ النَّافِعَةَ لِرَأْفَةٍ يَجِدُهَا بِالْمَرِيضِ: فَهُوَ الَّذِي أَعَانَ عَلَى عَذَابِهِ وَهَلَاكِهِ, وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ إلَّا الْخَيْرَ, إذْ هُوَ فِي ذَلِكَ جَاهِلٌ أَحْمَقُ, كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ الْجُهَّالِ بِمَرْضَاهُمْ, وَبِمَنْ يُرَبُّونَهُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَغِلْمَانِهِمْ وَغَيْرِهِمْ فِي تَرْكِ تَأْدِيبِهِمْ وَعُقُوبَتِهِمْ عَلَى مَا يَأْتُونَهُ مِنْ الشَّرِّ, وَيَتْرُكُونَهُ مِنْ الْخَيْرِ؛ رَأْفَةً بِهِمْ, فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ فَسَادِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ. ا.ه[33]
ولا ينبغي الْمزاجيَّةُ والتذبذبُ في العقاب, فبعضُ الآباء يُعاقب ولده في حال الغضب, ولا يُعاقبه في حال الرضا, مع أنَّ الابن قد ارتكب نفس الخطأ في كلا الحالتين.
\"ويجب أن يَحْترم جميع أطراف الأسرة وبخاصةٍ الوالدان العقاب الذي يقع على الطفل من أحدهما, فلا فائدة من العقاب الذي قد يُوقعه أحدُ الأبوين ثم يقوم الآخر بإرضاء الطفل؛ لأن ما سيتعلَّمه الطفل في هذه الحالة: هو كيف يستفيد من رقَّةِ قلْب هذا الطرف\".[34]
فالثبات في تحديد الممنوع والمسموح, والوضوحُ والصرامةُ في العقاب, واحْترام جميع أطراف الأسرة العقابَ الذي يقع على الطفل: يؤدي إلى التقليل من المشاكل والأخطاء, والوقايةِ منها.
والعقاب ليس محصوراً بالضرب, بل هو آخر علاجٍ نلْجأ إليه, واسْتعمال الضرب بكثرة, هي حيلةُ العاجز والضعيف, وهي تضر في الغالب أكثرَ مما تنفع.
وقد قيل: الضرب للتأديب: كالملح للطعام, أي: أنَّ القليل منه يكفي, والكثير منه يفسد.
وإذا أردت العقاب بالضرب سواءً بالعصا أو باليد فلابدّ أنْ تتنبه وتُراعي ما يلي:
1- أن يكون الضربُ وسيلةَ علاجٍ وإصلاحٍ, وضرورةً تربويةً لمصلحة الطفل, وليس وسيلةَ انتقامٍ يُقصد بها تفريغ شحنة غضبِ الْمُربي وإراحةَ نفسه.
2- لا تَضربه حال شدّةِ الغضب.
3- لا تضربه إنْ وعدتْه بعدم الضرب؛ لئلا يفقد الثقة بك, كأن تقول له: اعترف ولن أضربك.
4- مراعاة حالة الطفل النفسية والجسمانية, وسبب خطئه, وهل يستحقّ خطؤه الضرب.
5- لا تَضربه إذا كان الخطأ للمرة الأولى, بل يُنبَّه على عدم التكرار وإلا واجه العقاب.
6- لا تَضربه أمام أحدٍ أيًّا كان, صيانةً لكرامته أمام نفسه, وأمام غيره من أصحابه وغيرهم.
7- أنْ لا يكون الضربُ مبرحاً ومُهيناً, وتَجَنَّب الوجه؛ لأنه يحرم ضربه، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم.
8- أنْ يكون بعد إقراره بالذنب والخطأ؛ لئلا تكون ظالماً.
9- أنْ تنسى الذنب والخطأ بعد الضرب, ولا تذَكِّره به بعد ذلك.
10- لا تمنعه من البكاء إذا بكى أثناء الضرب وبعده؛ فإنه مُتنفَّسٌ له, وكتمانُه يضره.
11- لا تُجبره على الاعتذار منك, أو تقبيل رأسك بعد الضرب؛ لأنَّه سيفعل ذلك عن إكراهٍ لا عن قناعة, ويُشعره بالذلّ والمهانة.
12\_ أنْ لا يكون الضربُ إلا بعد اسْتِنْفاد جميع الوسائل التأديبية الأخرى كالحرمان, والوقوف لفترةٍ محدودة.
13- أنْ لا يكون على حين غفلةٍ منه, ودون انتباهٍ وشعورٍ وعلم, مما يُصيبه بصدمةٍ نفسيَّةٍ, أو هلعٍ شديد.
والعقاب بالحرمان: أثبت نفعه وفائدته, فلْيكن هو الأساس في العقاب.
ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ, وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ خَادِمًا, إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رواه مسلم[35]
فلم يستعمل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الضرب أبداً, لكنه اسْتعمل عقاباً آخر هو الهجر, فقد هجر نساءه شهراً, وهجر الثلاثةَ الذين خُلِّفوا.
ومهما اقترف الابن من ذنبٍ فلابدّ أن يكون العقاب في حدود الرحمة والرفق كما قيل:
فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازمًا فليقس أحيانًا على من يرحمُ
وإذا بكى جرَّاء العقاب البدنيّ أو النفسيّ فلا ينبغي منعه من ذلك, بل هو\" صمام أمانٍ يُفرِّغ جزءًا من شحنات الغضب أو الحزن أو الألم أو الحقد, ويغسل القلب كما يغسل العين, فيرتاح الطفل بعد تفريغه تلك الشحنات وهذا هو الجانب الإيجابيّ لبكاء الطفل\".[36]
وأخيراً: فكما أنك عاقبت ابنك على الخطأ, فكافئه على الصواب, فلا بدّ من التوازن والعدل.
\"وأيَّةُ عمليةٍ تربويةٍ لا تأخذ بمبدأ الإثابة والعقاب في ترشيد السلوك بصورةٍ متوازنة وعقلانيةٍ: فإن الانحراف سيكون نتاج هذه التربية.
والعقاب ليس هو أول ما يلجأ إليه المربي, إنما يبدأ بالإثابة إلى أنْ يَحتاج إلى العقاب, وإن احتاج إلى العقاب فلا يبدأ بالعقوبة الحسية, بل ينبغي أن يبدأ بالعقوبة المعنوية إلى أن يحتاج إلى العقوبة الحسية\".[37]
[28] رواه الإمام أحمد (22995), والترمذي (3774), وصححه الألباني.
[29] رواه ابن حبان (459), وصححه محققه شعيب الأرنؤوط, وحسنه الألباني في التعليقات على صحيح ابن حبان (460).
[30] رواه الإمام أحمد (1760).
[31] رواه البخاري (2502).
[32] فن التعامل مع الأطفال للدكتور فهد خالد: 121
[33] فتاوى شيخ الإسلام: 15/289-290
[34] فن التعامل مع الأطفال للدكتور فهد خالد: 147
[35] (6195).
[36] فن التعامل مع الأطفال للدكتور فهد خالد: 67
[37] فن التعامل مع الأطفال للدكتور فهد خالد: 164