القاعدةُ الأولى: أنْ تتعامل برويَّةٍ وحكمةٍ مع أخطائه وتصرُّفاته السيِّئة, وأنْ تتجنَّب الطريقةَ السائدةَ في التعامل معه, وهي الصراخُ واللومُ والحنق, والسبُّ والتحطيم, كأن يأتي من الليل متأخراً دون علمك: فتُخاطبه بنبرةٍ حادة: لماذا هذا السهر؟ وأنت لا تسمع الكلام.. ونحو ذلك؟ فما هي النتيجة؟ وهل فعلت هذا الأسلوب العقيم, ليتوب ويستقيم ويقتنع, أم تريد إفراغ ما في خاطرك من الغضب والحنق؟ فلا ينبغي أنْ يصدر هذا من أبٍ مربٍّ مُشْفق.
\"الكبار عمالقةٌ أمام عينه, فما بالك إن صرخوا, وبخاصةٍ إذا صدر هذا الصراخ من والديه اللذين يحبهما, إنهما مصدر الحماية لجسده الصغير وملاذ أمانه\".[81]
فينبغي لمن أراد عِتاب ولده, أو تعنيفَه على خطأ وقع به أنْ تكون نبرةُ صوته نبرةَ حزمٍ, لا نبرةَ غضب وصراخ، وأنْ يتجنَّب التَّلْويح بيديه, وعقْدَ حاجبَيْه.
فإنَّ هذا الأسلوب الغليظ في التعامل, يُشعره بأنك تريد فرض السيطرة عليه, لا أنَّك ناصحٌ مُشفقٌ عليه.
\"فعندما يصرخ الكبار في وجه الأطفال لا يفعلون أكثر من توجيه الدعوى للطفل لأنْ يتحدَّى أكثر, وأنْ يستمرّ في السلوك السيئ أكثر\".[82]
وتذكر: أن هدفك من توجيههم وعتابهم هو أن يستجيبوا لنُصْحك, لا أن يخافوا منك.
وإنَّ الأسلوب الأمثل في التعامل مع خطأ ابنك مهما عظم يتمثَّل في الخطوات التالية:
الخطوة الأولى: أن لا تُعاتبه أو تناقشه أمام الآخرين, وبخاصةٍ أمام أصدقائه وأقرانه, حيث يعتبر ذلك إهانةً في حقه, بل ليكن ذلك بانفرادٍ.
الخطوةُ الثانية: أنْ تُناقشه عن خطئه بهدوء, وتُقرِّرَه بالخطأ الذي ارتكبه, وأنك مُتضايقٌ ومُنزعجٌ بما حصل منه, وتُذكِّره بخصاله وسجاياه الجميلة والطيبة, وأنك تستغرب كيف بدر منه هذا الخطأ, وابْتعد عن الصراخ وعقدِ الحواجبِ ورفعِ الصوت, فهو الذي يُحفزه للدفاع عن نفسه, والإصرارِ على خطئه وغيِّه.
الخطوة الثالثة: أنْ تطلب منه أنْ لا يُكرِّرَ ذلك, وتُبيِّن له بوضوح: أنك إن كررت ذلك, فإني سأحرمك من الشيء الفلاني, لشيءٍ يُحبه كجواله أو سيارته, ونفذ ما قلته بحزمٍ إنْ فعله مرةً أخرى.[83]
وكن على يقينٍ بأنَّ سُلطةً تُمَرَّرُ وتُنفَّذ بصوتٍ هادئٍ وحازم خيرٌ من صراخٍ عابر.
فالأول: هو الذي يَحُدُّ من الأخطاء, ولا يَجرح المشاعر, ولا يُؤثِّر على العلاقة.
والثاني: هو الذي لا يَحُدُّ من الأخطاء غالباً, ويَجرح المشاعر, ويُؤثِّر على العلاقة.
ركب أحدُ الآباء الْمُربين هو وعائلته لزيارةِ أخوالهم, وتأخر الابن, وقد أمرته أمُّه أنْ يلبس حذاءًا مُعيَّنًا ونهته أنْ يبلس غيره, فلمَّا حضر إذا به قد خالفها! فصرخت عليه الأمّ بأنْ يرجع ويلبس ذاك الحذاء, وبدأت تدعو وتتذمّر, والأبُ ساكتٌ, فلما ذهب قال لها: ماذا اسْتفدتِ؟ قالت: اسْتفدْتُ أني أخرجت ما في قلبي! قال: ثم ماذا؟ فما كان منه إلا أنْ أخبر الابن أنه سيتأخر عن الذهاب إلى أخواله ساعةً جزاءً لعناده واسْتهتاره, وقال له بهدوءٍ: ألم تُخالف كلام أمّك؟ قال: بلى, قال: فتحمّل نتائج خطئك.
فهل تعتقدون أنّ الابن أو إخوته سيقعون في نفس الخطأ مرّةً أُخرى؟ بالطبع: لا.
فنحن نحتاج في تعاملنا مع الأخطاء الْمُتكررةِ إلى الشدّة والحزم, بدلاً من اللوم والشَّتْم.
واعلم أنَّ كثرة اللوم والعتاب لا يأتي بنتائجَ مُرضيةٍ غالباً، بل إنَّ الْولد الْمُعاتَبَ سَيُظهرُ العناد, وسَيُثْبِتُ لك أنه على حق, وأنه رجلٌ يَعتمد على نفسه, وفي النهاية سيفعل ما أراد, ولن تتمكن من منعه والسيطرة عليه, فما هي النتيجة؟ أمْرضت وأتْعبت نفسك, وخالفت شرع ربك بأمره لك بالحلم والصبر واللين والرفق, وخسرت ونفَّرت ولدك.
فإذا لم يكنْ ولدُك كما تُحبّ وتريد فلا تعاملْه مُعاملةَ الْمُجرم العنيد, ولا تخسره بكثرة النقد الشديد, ولا يكن شعارُك معه: إما أن تُوافقني, وإما أن تُفارقني!.
حصلتْ بين معاوية رضي الله عنه وبين ابنه يزيد سوء تفاهم, فأرِق لذلك ليلته, وناله همٌّ شديدٌ لذلك, فلما أصبح بعث إلى الأحنف بن قيس رحمه الله فأتاه, فلما دخل عليه شكا له الحال, وطلب منه الحلَّ الأمثل في التعامل معه فقال له: يا أمير المؤمنين أولادُنا هم ثمار قلوبنا, وعماد ظهورنا, ونحن لهم أرضٌ ذليلة, وسماءٌ ظليلة, فإنْ غضِبوا يا أمير المؤمنين فأرضهم, وإن طلبوك فأعطهم, يمحضوك ودهم, ويلطفون جهدهم, ولا تكن عليهم ثقيلاً لا تُعطيهم إلا نزراً, فيملُّوا حياتك, ويكرهوا قربك.
فجاء هذا الكلام السديد على قلبه كالماء البارد, وقال له: لله درك يا أحنف, والله لقد بعثت إليك وإني من أشد الناس مَوجدةً على يزيد, فلقد سَلْلَتَ سَخِيْمَةَ قَلْبِي.[84]
لِنكنْ على يقين أنه لا يمكننا أن نُشكِّل شخصية أبنائنا كما نريد، ولكن بإمكاننا أن نُرشدهم إلى الصواب والحقّ, وأنْ نكون لهم ناصحين مُرشدين, بلا إفراطٍ في ذلك.
ولْنتأمل قولَه تعالى لنبيه وخليله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقولَه تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقولَه تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الهداية ليست علينا, بل علينا التوجيه والنصح والبلاغ.
وإذا كان الرسول الْمُوحى إليه ليس عليه إلا البلاغ فقط, حيث قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾, ونهاه الله أن يحزن على من لم يستجب للنصح, حيث قال تعالى: ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ فاطر:8، وقال ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ النحل:127، وقال ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾الشعراء:3.
فأنت مع أبنائك من باب أولى, فأرشدهم بأسلوبٍ حكيم, وتعاملٍ لطيفٍ لا يُنفر, ولا يأخذك الحزن والقلق الشديد, فلو شاء الله لهداهم, وليس عليك إلا البلاغُ والنصح, بأسلوبٍ حكيمٍ, فإن كان بأسلوبٍ مُنفر: لم تؤد الواجب في النصيحة, ولم تبرأ ذمتك بالبلاغ, وأصبحت سبباً في انحرافه وتمرُّده.
وخذ قاعدةً واجعلْها نبراساً ومنهجاً في حياتك: قدِّم الحلَّ النافع, والاقْتراح الْمُناسب, بدلاً من النقد الجارح, واللوم الْمُنفِّر.
فحينما ترى أولادك يلعبون داخل البيت, ويَمْلئونه بالضجيج والصراخ: فلا تكثر التذَمُّر والسخط من ذلك, وتصرخ عليهم بالكفِّ عن الإزعاج, فإنَّهم لن يكفوا عن ذلك, وتكون قد تسَبَّبت على نفسك بتكدير الخاطر, ولم يَعُد لنهيك وكلامك هيبةٌ وأثرٌ في قلوبهم؛ لأنك تُكثر عليهم من التذمر والنهي وهم لا يُبالون بك, وهكذا الحال في غالب الأيام!.
وبدلاً من هذا كلِّه: أوجد حلاًّ مُناسباً لهذه الْمُشكلة, وأوجد لهم مكاناً بديلاً عن المكان الذي في داخل المنزل, وتكون قد قضيت على المشكلة, وأرضيتهم وأسعدْتَهُم, ولم يتكدَّر خاطرك.
وعندما ترى تردِّياً في مُستوى ولدك الدراسيّ, فبدلاً من لومه والتشنيع عليه, وتنفيرِه وتثبيطه: أوجد له حلاًّ لهذا الضعف, إما بإحضار مُدرسٍ خصوصيّ, وإما بمُساعدتك له في الدروس, وشرحك له وغير ذلك.
فما أسهل اللوم والتذمُّر, وما أصعب -مع سهولته في الواقع- إيجاد الحلول.
كنت مرَّةً في نُزهةٍ مع الأقارب, وقد اتَّفقنا على اصْطحاب الأطفال, فلما جاء المساء, وبدأ الأطفال يلعبون حولنا- نظراً لخوفهم من الظلام- بدأ التململ يَظْهر على الحاضرين, والتذمُّر والتشكِّي يُهَيمن عليهم, حتى قال أحدهم: ما أكْرَهَ اصْطحاب الأطفال.. ما أتعس هذه الحالة!, مع إن ابنه من ضمنهم, وهو الذي وافق على إحضار الأطفال!.
فإذا بأحدهم يتصرَّف بحكمةٍ وهدوء, فدعا أحد الشباب الجالسين وقال له: أرجو منك أن تذهب بالأطفال إلى بيوت أهلهم بشرط أن تقبل مني هذه المائة ريال! وهكذا انتهت المشكلةُ بإيجاد الحلّ النافع, بدلاً من التذمر الذي لو اسْتمَّر لانْتهى بتكديرِ الخواطر, وفسادِ النزهة.
[81] أولادنا من الطفولة إلى الشباب, لمأمون مبيض.
[82] فن التعامل مع الأطفال للدكتور فهد خالد: 118
[83] للدكتور \"سبنسر جونسون\" الذي تحظى مؤلفاته بأفضل نسبة مبيعاتٍ في العالم: كتابٌ سمَّاه: أسلوب الدقيقة الواحدة, والذي يعد- كما جاء بصحيفة النيويورك تايمز- من أكثر الكتب مبيعاً, يقول فيه - باختصار: أسلوب الدقيقة الواحدة أسلوبٌ حديثٌ ربما تشعر في بداية تطبيقه بأنه أسلوبٌ غريبٌ, ولكنك سترتاح بعد ذلك وتمارسه بشكل طبيعي, أخبر أبناءك أولاً بأنك لا تريد أن تحكمهم أو يحكموك, ولا تريد أن تكون متسلطاً في البيت.
دع أبناءك يشعرون بعدم الرضا عن تصرفهم الخاطئ, فإذا ما ارتكب ابنك خطأً ما: انظر في عينيه مباشرة, وأعد عليه ما فعله باختصار دون أن يأخذ من وقتك إلا ثوانٍ معدوداتٍ, أشعره بعدها أنك غاضبٌ من فعله, ودعه يشعر بما تُحِس به في النصف الأول من الدقيقة, فلا يكفي أن يتلقى الابن أو الابنة التأنيب, ولكن المهم جداً أن يشعروا بهذا التأنيب, دعه يشعر بأنك لا تحب ما فعل, وقد يرافق ذلك إحساسٌ بالانزعاج, ثم خُذ نفساً عميقاً, واشعر بهدوءٍ نفسيٍّ, وخلال النصف الآخر من الدقيقة: تَهْدَأُ وتَلمس أطفالك بطريقةٍ تُشعرهم بأنك لا تقف ضدهم وإنَّمَا معهم.
اذْكُرْ لأطفالك أنك لا تقبل بسلوكهم الحالي، لكنهم هم أشخاصٌ طيبون, قل لهم: أحبكم, واحْتَضِنْهُم.
وخلال اليوم نفسه استمع إلى ما يريد أن يقوله أطفالك لك, وشعورهم تجاهك وتجاه فعلهم.
[84] موسوعة ابن أبي الدنيا 8/45