تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2- ((الإخلاص في طلب العلم))

يا طالب العلم, اسأل نفسك: لماذا أقرأ؟

وقبل أن تجيب على السؤال الكبير المهمّ, سأذكر لك جوابي عن هذا السؤال

في بداية طلبي للعلم, وجوابي بعد سنوات من بداية الطلب: كنت في بداية طلبي

للعلم أظن أني إنما أطلبه لله تعالى خالصًا لوجهه, وحينما مررت على قول

الوليد بن مسلم رحمه الله: سألتُ الأوزاعيَّ، وسعيدَ بن عبد العزيز وابن جريج

رحمهم الله: لم طلبتم العلم؟ كلهم يقول: طلبتُه لنفسي , غير أن ابن جريج

فإنه قال: طلبتُه للناس. ا.ه[4]

ولم يقولوا: طلبناه لله!

وقولِ مَعْمَر ومجاهد رحمهما الله: لقد طلبنا هذا الشأن وما لنا فيه نيَّة,

ثم رَزَقنَا الله النيَّة من بعدُ.[5]

وقولِ هشام الدَّستُوائي رحمه الله: والله ما أستطيع أن أقول: إني ذهبتُ

يوماً قطُّ أطلبُ الحديث أُريدُ به وجهَ الله عز وجل.

قال الذهبي رحمه الله: واللهِ ولا أنا, فقد كان السَّلَفُ يطلبون العلم لله

فَنَبلوا، وصاروا أئمةً يُقتدى بهم، وطلبه قومٌ منهم أولاً لا لله، وحصَّلوه، ثم

استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم، فجرَّهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطَّريق، كما

قال مُجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبيرُ نِيَّة، ثم رزق الله

النيةَ بعدُ، وبعضهم يقولُ: طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكونَ إلا لله.

فهذا أيضاً حسن. ثم نشروه بِنِيَّةٍ صالحة. ا.ه[6]

وكنت أتعجب من كلامهم, وأجد إشكالا كبيرًا, حيث أرى من نفسي أني أطلبه

لله, فهل أنا أحسن حالا منهم؟!

والآن عرفت وفهمت - والله - , فقد كنت إنما طلبته لنفسي لأنْهَم منه,

وأستمتع بالقراءة وحضور مجالس العلم, ثم طلبت بعضه للناس, حيث كنت أجد

حرجًا إذا سُئلتُ فلم أعرف الجواب, فحرصت على القراءة وجرد المطولات حتى أُلِمَّ

بالعلم, وأجيب على كلّ من سألني, وإذا حضرت مجلسًا فيه طلاب علم وجرى نقاش

بادرت بإبداء ما عندي, وكنت لا أشك أني من أخلص الناس في طلب العلم,

وحينما مرت السنون, ونهلتُ من معين أهل العلم وكتبهم: عرفت أنّ عندي شوائبَ

تكدّر صفو الإخلاص, وأسأل الله تعالى أن يجعلني من المخلصين لله في العلم

والدعوة ونشر العلم.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: المحب الصادق إذا نطق نطق لله

وَبِاللَّهِ, وإن سكت سكت لله, وإن تحرّك فبأمر الله, وإن سكن فسكونه استعانة

على مرضاةِ الله, فَهُوَ لله وَبِاللَّهِ وَمَعَ الله.

وَمَعْلُوم أنَّ صَاحب هَذَا الْمقَام أحوج خلق الله إلى الْعلم؛ فَإِنَّهُ لَا تتَمَيَّز لَهُ

الْحَرَكَة المحبوبة لله من غَيرهَا, وَلَا السّكُون المحبوب لَهُ من غَيره إلا بِالْعلمِ,

فَلَيْسَتْ حَاجته إلى الْعلم كحاجة من طلب الْعلم لذاته ولأنه فِي نَفسه صفة كَمَال,

بل حَاجته إليه كحاجته إلى مَا بِهِ قوام نَفسه وذاته. ا.ه[7]

وقال الذهبي رحمه الله في تعليقه على قول مَعْمَر رحمه الله: كان يُقال: إن

الرَّجل يطلبُ العلمَ لغير الله فيأبَى عليه العِلمُ حتى يكون لله: نعم يطلبه

أولاً والحاملُ له حبُّ العلم، وحبُّ إزالة الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحوُ ذلك,

ولم يكن عَلِمَ وجوب الإخلاص فيه ولا صِدْقَ النية, فإذا عَلِمَ حاسبَ نفسَه وخاف من

وَبَالِ قصدِه, فتجيئُه النِّية الصَّالحة كلُّها أو بعضها, وقد يتوبُ من نيته الفاسدة

ويندمُ.

وعلامة ذلك:

1- أنه يُقْصِر من الدعاوى.[8]

2- وحبِّ المناظرة.

3- ومِن قصد التَّكثُّر بعلمه.

4- ويُزري على نفسه, فإن تكثَّر بعلمه أو قال: أنا أعلمُ مِن فلان فبعداً له.

ا.ه[9]

وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: كثير من طلاب العلم يقصدون بطلب

العلم التوسع في العلم, وهذا لا شكّ نقص, طالب العلم يجب أن يقصد بطلبِه

نصرةَ الدين وحمايته. ا.ه

وبعد هذا الاستعراض لأقوال بعض العلماء استطعتُ أنْ أُشخِّصَ بواعثي لطلب

العلم:

فقد كنت أطلب العلم لذاته محبةً في العلم, ولأنه فِي نَفسه صفة كَمَال,

ورغبةً في إزالة الجهل عني, وحبًّا في التوسع فيه.

ونسأل الله تعالى أن يجعلنا نطلبه لحَاجتنا إليه كحاجتنا إلى مَا بِهِ

قوام أنفسنا, وأنْ يعيذنا مِن حبّ المناظرة والتَّكثُّر بعلومنا, ولا حول ولا قوة

لنا إلا به جل وعلا.

فصحِّح نيتك – أخي طالب العلم - واطلبه لحَاجتك إليه كحاجتك إلى مَا بِهِ

قوام نَفسك وذاتك, ولتُحْيِيَ بِهِ الاسلامَ, لا لمجرد حبّك للعلم وتلذّذك به, فشتان

بين النيّتين!

قال ابن القيم رحمه الله: من طلب الْعلم ليُحْيِيَ بِهِ الاسلامَ فَهُوَ من

الصدِّيقين, ودرجتُه بعد دَرَجَة النُّبُوَّة. ا.ه[10]

***

[4] سير أعلام النبلاء 1/ 45

[5] تهذيب سير أعلام النبلاء2/672, 2/530

[6] تهذيب سير أعلام النبلاء 2/687

[7] مفتاح دار السعادة: 1/489

[8] أي: لا يزكّي نفسه ويجزم بأنه طلب العلم لله خالصًا.

[9] تهذيب سير أعلام النبلاء2/672

[10] مفتاح دار السعادة: 1/ 121

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ٩