5- ((العناية بكتاب الله تعالى حفظًا وتدبّرًا, ثم العناية بالصحيحين))
طالب العلم الصادق: يعتني بالقرآن أعظم عناية, ويجعله أهم مصدر لعلمه, وفهمه,
وإيمانه.
ومن المحزن أن تجد من ملأ أوقاته بالقراءة والمطالعة وحضور الدروس وغيرها,
ولا يكون لكتاب الله نصيب من وقته, وحظٌّ من قراءته.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ملأ الدنيا علمًا ونصحًا وجهادًا, وشغل وقته
كلّه بتدبر القرآن والسنة, والنظر في العلوم الشرعية ليستفيد منها, والعلومِ
البدعية ليردّ على أصحابها ومُحبيها, لمَّا حبس فِي آخر عمره طلب منه أحد طلابه أَنْ
يكْتب على جَمِيع الْقُرْآن تَفْسِيرًا مُرَتَّبًا على السُّور, فَكتب له تفسير وشرح بعض الْآيَات
التي أشكل تَفْسِيرهَا على جمَاعَة من الْعلمَاء, بعد أنْ أطال في تدبرها وتأملها
والنظر فيها, ثم قال: قد فتح الله عَليّ فِي هَذِه الْمرة من مَعَاني الْقُرْآن, وَمن أصُول
الْعلم بأَشْيَاء كَانَ كثير من الْعلمَاء يتمنونها, وندمت على تَضْييع أَكثر أوقاتي فِي
غير مَعَاني الْقُرْآن!. ا.ه[18]
وقال ابن القيم رحمه الله: ما أشدها من حسرة, وأعظمها من غبنة, على مَن أفنى
أوقاته في طلب العلم, ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن, ولا باشر قلبَه
أسرارُه ومعانيه. ا.ه[19]
والعلم كلّه في القرآن, فكيف يُطلب العلم من غيرِه؟
قال ابن جماعة - رحمه الله – في حقّ طالب العلم: "يبتدئ أولاً بكتاب الله
فيتقنه حفظاً، ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه؛ فإنه أصل العلوم وأمُّها
وأهمّها". ا.ه[20]
وهل برز من برز من العلماء الكبار إلا بالقرآن حفظًا وفهمًا وعملاً؟
ثم بعد العناية بكتاب الله تعالى: على طالب العلم العناية بصحيح البخاري
ومسلمٍ, وفهم ما جاء فيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.
"وإنه من العجب أنْ يُهْمل طالب العلم - الذي قد يكون أمضى سنوات على الطلب-
فهم وتدبّر وتفسير أصح كتاب على وجه الأرض, الذي ما أُنزل إلا لذلك, وأنْ يُهْمل
كذلك أصح كتابين بعد القرآن: البخاري ومسلم!
ولا تُغني كتب الأحكام عنهما, كبلوغ المرام والمحرر وغيرهما, فلن تجد فيها
الفوائد والنفائس العقدية والسلوكية والأخلاقية والتربويّة واللغويّة, كما
تجدها فيها".[21]
***
[18] العقود الدرية: 43- 44
[19] بدائع الفوائد: 1/ 194
[20] تذكرة السامع والمتكلم: 51
[21] آدابُ طالِبِ الْعِلْمِ وسُبُلُ بِنَائِه ورُسُوخِه: 106