تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17- ((وطّن نفسك على أن تُعلّم وتَتعلّم, وتنصح وتُنصح, وتنقد وتُنقد))

طالب العلم لا يزال يتعلّم حتى يموت, ولو بلغ من العلم والسنّ ما بلغ,

وبعض طلاب العلم ممن بلغ في العلم أو المنصب ما بلغ, تجده يوطن نفسه على

أنه ينصح ويعظ ويعلّم وينتقد, ولكن لو نقده أحدٌ أو نصحه أو وعظه أو علّمه:

استنكف ولم يفرح ولم يتقبل ذلك بصدر رحب, وهذا خللٌ يجب أن يُعالج.

فوطّن نفسك – يا طالب العلم الموفق – إلى أن تلقى ربك على أن تحرص أن

تُعلّم وتَتعلّم, وتنصح وتُنصح, وتنقد وتُنقد, وبهذا تزكو نفسك, ويصلح قلبك,

ويكبر عقلك, ويبارك في علمك وعمرك وأثرك بعد وفاتك.

واعلم أنّ أعظم أسباب استنكاف بعض طلاب العلم عن تقبل النصح والنقد

البنّاء, ما ذكره ابن الجوزي رحمه الله بقولِه: من اقتصر على ما يعلمه، فظنه

كافيًا: استبد برأيه، وصار تعظيمه لنفسه مانعًا له من الاستفادة.

والمذاكرةُ تبيِّن له خطأه.

وربما كان معظمًا في النفوس، فلم يُتَجَاسر على الرد عليه، ولو أنه أظهر

الاستفادة لأهديت إليه مساوئه فعاد عنها. ا.ه[63]

فقل لمن حولك بصدق: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي.

***

18- (الأولى لطالب العلم ألا يقف عند حدٍّ معيّنٍ في طلب العلم)

يُلحظ على بعض طلاب العلم عند تمكنه في فنّ من فنون العلم؛ كعلم القراءات

مثلاً, أو النحو, أو الأدب, أو التفسير, أو غيرها من فنون العلم, أنه يكتفي

بهذا الفنّ الذي أجاده, ويجد صعوبةً نفسيّةً في التضلّع من الفنون الأخرى

المهمة, التي تتطلب منه ثني الركب عند المشايخ؛ لأنه اشتَهر بين محبيه

وأفراد مجتمعه بذلك الفنّ.

ولا شك أنّ طالب العلم الموفق لا يلتفت إلى مثل هذه الوسوسة الشيطانيّة؛

لأنها ستحصره في مجال فنّه الذي تمكن فيه, والفنون يُكمّل بعضُها بعضًا.

فجديرٌ بطالب العلم التزوّدُ من العلم مادام في الإمكان.

ولا يعني ذلك مطالبة المتخصص في فنٍّ أن يتخصص في جميع الفنون, بل يعني

أن يُلِمّ بالعلوم الأخرى إلْمَامًا يرفع جهله بها جملة لا تفصيلا؛ لأنَّ جهله بها

عيبٌ ونقصٌ باتفاق العلماء والعقلاء.

***

19- (مراحل العلم)

للعلم ثلاث مراحل:

الأولى: مرحلة المتعة به, ومن ذاق طعم العلم والقراءة فقد ذاق شيئًا من

طعم السعادة والأنس واللذة.

الثانية: مرحلة الرسوخ فيه, وذلك بكثرة البحوث, وحفظ المتون وإتقانها,

وقراءة الكتب الْمُطوّلة, وتكرار مراجعة الكتب التي قرأها من قبل.

الثالثة: مرحلة تعليمِ العلم ونشرِه.

فبعض طلاب العلم وقفوا عند المرحلة الأولى, حيث شقّ عليهم الانتقال إلى

المرحلة التي بعدها؛ لأنها شاقة وتحتاج إلى صبر ومصابرة, وربما انتقلوا

إلى المرحلة الثالثة؛ لأنها لا تحتاج إلى كبير عناء, أو لأنها وافقت

رغباتهم في الدعوة والتعليم, ولكن الغالب أنّ هؤلاء تكثر منهم الأخطاء

والزلات, والتذبذب والتقلب, والضعف في المادة العلمية.

وبعض طلاب العلم حينما انتقلوا إلى المرحلة الثانية وقفوا عندها؛ لأنهم

لَمّا ذاقوا طعم البحث, وقراءةَ الكتبِ الْمُطوّلةِ, والرسوخ في العلم: شق عليهم

نشر العلم؛ لأنهم سيضطرون إلى فراق الكتب لساعات طويلة, وسيتركون مألوفهم,

وهذا شاقٌّ على النفس.

والقليل من طلاب العلم من يمر على جميع المراحل, ويعطي كل مرحلة حقها,

ولا يُطاوع رغبات نفسه, بل ينظر إلى مراد الله تعالى فيُجاهدها على ذلك,

وهؤلاء هم علماء الأمة, وهم الذين ينتفعون بالعلم أتم الانتفاع, وينفع

الله بهم الناس أكمل النفع؛ "فإنَّ كلَّ مَن عمل بتعليمه أو علم شيئاً مما كان

هو السبب في علمه فذلك العالم والمتعلم شريكٌ له في الأجر إلى يوم القيامة

على آباد الدهور، فيا لها منزلةٌ ما أرفعها، أنْ يكون المرءُ أشلاء متمزِّعة في

قبره, أو مشتغلاً في أمور دنياه, وصحفُ حسناته متزايدة، وأعمال الخير مهداة

إليه من حيث لا يحتسب".[64]

اللهم اجعلنا منهم يارب العالمين.

***

[63] صيد الخاطر 149

[64] رسائل ابن حزم (3/ 153)

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ٦٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ٦٤