تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23- ((تذكر دائمًا حالتك قبل اشتغالك في طلب العلم))

مما يزيد طالب العلم همّةً ونشاطًا: تذكره بين الفينة والأخرى لحالته قبل

اشتغاله بالعلم, فيتذكّر كيف كانت اهتماماتُه وطموحاتُه, وبما كان يقضي جلّ

ساعاتِ يومِه وليلتِه, وكيف كانت علاقته بربّه سبحانه وتعالى, وعلاقتُه مع

والديه وإخوانه وقرابته وعموم مجتمعه, وكيف كانت نظرتُه للحياة الدنيا,

وغفلته عن الآخرة, فكلّما تذكّر مثل هذه الأمور وقارنها بحالِه بعد اشتغاله

بطلب العلم, رأى الفرق الكبير, والبَوْن الشاسع بينهما, كما بين الليل

والنهار, من الظلمة والإسفار, فيتبيّن له بجلاء محض فضل الله عليه, أن

اصطفاه وشرح صدره لأنفس ما تُقضى به الأعمار, وتثقّل به موازين الحسنات يوم

لا ينفع مالٌ ولا بنون ولا جاه, فيزداد رغبةً وهمّةً ونشاطًا وفرحًا وابتهاجًا

بطلب العلم, والصبر على ما يلقاه في سبيل ذلك.

فما يسعه إلا أن يقول: لك الحمد أنْ هديتني وعلمتني وأنقذتني, فالفضل لك

وحدك, والخير منك وحدك, فلولا توفيقك لَمَا أُلهمت الحق والعلم, ولولا فضلك

لَمَا حُبب إلي العلم.

قال رجل للدارمي رحمه الله – وكان يحسده-: ماذا كنت لولا العلم؟ فقال: أردتَ

شينًا فصار زينًا، لولا العلم لكنت بزَّازًا[75] من بزَّازيّ سجستان. طبقات الشافعيين

(1/173)

فلو قارنت بين حالك قبل طلب العلم وبين حالك الآن: لعلمت نعمةَ الله عليك

بالعلم, وماذا سيكون حالك لو لم يمنّ عليك بالعلم؟ فاحمد الله وانْسب الفضل

له, لا لاجتهادك وذكائك وصبرك وتحمّلك وسهرك وكثرة اطّلاعك.

***

الفنّ الثاني: التصانيف النافعة..

التصنيف من أعظم وسائل الدعوة إلى الله تعالى لمن صدقت نيّتُه, وحسن

قصده, وإنما أفردته لأهميّته, وكثرة الحاجة إليه, وصعوبة سلوك جادّته.

والتصنيف لا يسلكه طالب العلم في بداية الطلب, بل يعتني بالحفظ,

والفهم, والقراءة, وحضور الدروس المفيدة.

وإنما يسلك التصنيف طالب العلم المتقدّم, الذي حصّل وانتفع, ويكون هدفُه

من التصنيف نفع نفسه أولا.

ومن أجلّ النعم أن يُبارك الله في العالم وطالب العلم وينشر علمه في حياته وبعد

موته, وأن يكتب القبول لمصنفاته وينفع بها.

قال ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان (3/ 303): "رُزق أبو الحسن الواحدي

السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها".

نسأل الله الكريم الجواد الودود من واسع فضله, وفيض عطائه, وعظيم إحسانه.

وهذه وصايا وخواطر نافعةٌ في موضوع التصنيف والبحث:

[75] أي: بائعًا للأمتعة والثياب.

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ٧٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ٧٧