تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1- ((الرسوخ[123] الدينيّ ثلاثة أنواع))

اعلم – وفقك الله – أنّ الرسوخ الدينيّ ثلاثةُ أنواع:

النوع الأول: الرسوخ العلمي النظريّ, وهذا الرسوخ سهلٌ وكثيرٌ أهلُه, وإنك تجد

الكثير من طلاب العلم رسخوا في فنّ من الفنون, كالعربية والفقه والعقيدة

والتفسير والحديث, وكثير منهم جمع بين هذه الفنون العلمية الشرعيّة.

حتى إنه قد كثر الرسوخ العلمي الشرعي في الكفار المستشرقين, وألفوا الكتب

التي قد يعجز عنها كثير من علماء المسلمين.

النوع الثاني : الرسوخ العمليّ الخُلُقي, وهو أصعب من الأول, ولو قارنا بين

كثرة الراسخين علميًّا والراسخين خلقيًّا, لوجدنا الفرق واضحًا جدًّا, ونسبة الرسوخ

الأول أكثر بكثير, فهناك الكثير من العلماء وطلاب العلم؛ ولكن قلَّ من تجد منهم

صاحب أخلاق عالية: كالصبر والاحتمال والكرم والشجاعة والبشاشة والرفق؛ لأنهّ

ليس هناك ما يدعو إلى العناية بالأخلاق الباطنة والظاهرة, ولا ما يحفز عليها,

فلا وجود لمدارس تعلم الاخلاق وتمنح الشهادات والأموال والمناصب عليها, وليس

هناك كذلك ما يحفز الإنسان في نفسه على ذلك؛ لأنه مشغول بالأمور الظاهرة؛

كالعلم, أو الكسب, أو المنصب, أو اللهو.

وإنما يعتني بالأخلاق من علت همته, وكرمت عليه نفسُه, وطلب ما عند الله

بصدق ويقين, وتمعن في الكتاب والسنة طلبًا للعلم والفهم والاقتداء التام بمن

زكى الله خلقه صلى الله عليه وسلم.

النوع الثالث: الرسوخ العمليّ الإيماني, وهو أصعبُ منهما وقليلٌ أهلُه, وقلّ من

ذاق طعم الإيمان واليقين, وقوة التوكل, وحسن الرجاء, والحب العظيم لله تعالى,

والأنس به, والفرح به, واللذة بمناجاته.

والله تعالى يُمكن من يشاء في الأول والثاني, ولا يمكن في الثالث إلا من

أحبّه وقرّبه إليه, واصطفاه وأخلصه لنفسه.

والرسوخ العلمي يمكن تحصيلُه في زمن يسير, حتى إنَّ بعضهم رسخ في علمٍ من

العلوم في ثلاثة أعوام فقط, وهكذا بقية العلوم, وبعضهم رسخ في علوم كثيرة في

أقل من عشرة أعوام؛ لأن العلم له لذّة عجيبة, فلا يكاد من ذاقه ينفك عنه,

وربما انشغل به عن الكثير من نوافل الطاعات, والدعوة إلى الله ونشر العلم.

بخلاف الرسوخ العملي الإيماني, فلا يرسخ فيه أحدٌ إلا بعد طول زمن, وكثرة

عبادة, وعلمٍ بالله وبأسمائه وصفاتِه, وتدبّر لكتابِه, وصدق لجأ إلى الله, وطول

ممارسة وصبرٍ وإلحاح وتعب ومجاهدة؛ لأنّ هذا يُخالف هوى النفس التي تميل إلى

الدّعة والراحة, فلا يُمْكِن أن يذوق العبد حلاوة العبادة وطعم المناجاة

والاستمتاع بطول القيام والوقوف بين يدي الله إلا بعد صبر ومصابرة وتغلّب على

أهواء النفس.

ولذلك تكثر الانتكاسةُ في القسم الأول والثاني, أو التذبذبُ والتقلّب

والفتور.

ولا يكاد يُوجد ذلك في القسم الثالث, فإن وُجد فيمن ظاهره العبادة, وحب

الخلوة بالله والزهد والخوف والرجاء: فلا يعني ذلك أنه قد رسخ في العمل

والإيمان؛ فإن الإنسان قد يذوق شيئًا من طعم العبادة, ويُحبّب إليه العمل ببعض

الطاعات, وليس كلامنا على هذا, فإن هذا من قسم العبّاد الذين قلّ علمهم, وكثرت

مجاهداتهم على غير علم صحيح, وربما كانت حظوظ النفس حاضرة عندهم, فهم يتعبدون

بما يجدون أنفسهم تميل إليه, فقد يضل كثير منهم أو ينتكس أو يبتدع.

وإنما كلامنا على صاحب الإيمان الصحيح, المبني على العلم بالله وبشرعِه,

الذي لاحظ له إلا موافقة رضا ربّه.

والرسوخ معناه: الشيء الثابت القويّ, فإذا كان فيه تكلُّفٌ فليس رسوخًا .

فالرسوخ العلمي: عبارة عن قوةٍ علميّة في فنّ معيَّنٍ راسخة في النفس, بحيث

يستطيع أن يفتي فيه بسهولةٍ وبلا تكلّف.

والرسوخ الخُلُقي: عبارة عن هيئة راسخة في النفس, تصدر الأفعال عنها بسهولة

ويسر, من غير حاجة إلى فكرٍ وروية.

والرسوخ الإيمانيّ: عبارة عن عقيدةٍ ثابتةٍ في النفس, تصدر العبادات عنها

بسهولة ويسر, من غير تكلّف ومجاهدة.

وإنما قلنا: إنها هيئة راسخة؛ لأن من يفتي في بعض المسائل لا يُقال عنه:

عالم راسخ, بل باحث أو طالب علم, ما لم يكن كذلك في جلّ المسائل.

ومن يصدر منه بذل المال في النادر لحاجة عارضة, لا يقال : خلقه السخاء,

ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ.

ومن يقوم ببعض العبادات في بعض الأحوال لا يُقال عنه عابدٌ.

وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة؛ لأن من لا يفتي إلا بعد البحث

والرجوع للكتب لا يُقال عنه: عالم راسخ, بل باحث أو طالب علم.

ومن يتكلف بذل المال, أو السكوت عند الغضب بجهد وتكلّف, لا يقال: خلقه

السخاء والحلم.

ومن يتكلّف القيام بالعبادات على جهة المشقة والتعب لا يُقال عنه عابدٌ؛ لأن

الرجل لا يكون عابدًا سبَّاقًا للخيرات على الدوام إلا إذا كان قلبه ممتلئ

بالإيمان واليقين الراسخ, فيعبد الله تعالى بحبّ ورغبة وإقبال, فلا يشعر

بالتعب والنصب إلا ما كان من طبيعة البشر.

وتكلف الأخلاق والتعلم والتعبّد يقود إلى الرسوخ فيها, فالحلم بالتحلّم,

والعلم بالتعلّم, فهي أتعاب ومجاهدات في البدايات, لكنها لذائذ ورسوخ في

النهايات, ومن لم يجاهد لن يرسخ ويقوى ويرتفع.

وإذا رسخ الإيمان في قلبك فأبشر بالفتوحات الربانية, والكرامات الإلهيّة,

والدخول إلى الأنس بالله تعالى مِن أوسع أبوابه.

فاحرص – يا طالب العلم – على أن تكون راسخًا في هذه الأمور الثلاثة كلّها؛

لتكون من المفلحين الفائزين في الدنيا والآخرة.

***

2- (طالب العلم ينبغي أن يسبق غيره إلى الطاعات)

طالب العلم ينبغي أن يسبق غيره إلى الصلاة وإلى صيام الاثنين والخميس

أو ثلاثة أيام في كلّ الشهر على الأقل, وإلى قيام الليل قبل الفجر بساعة أو

نصف ساعة على الأقل, وإلى ختم القرآن في الشهر مرة في أقل تقدير, وإلى

سلامة القلب وطهارته, والتحلي بمكارم الأخلاق والرحمة والعفو والصفح

والتماس الأعذار.

فإن سبقك غيرك إلى هذه الفضائل فما قيمة العلم الذي تحملُه؟

"فيا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيام

الأسحار يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك عَلَى

انقطاعك".[124]

فيا طالب العلم: كما ميّزك الله بالعلم, فلتتميّز بالعمل به؛ لتشرف

وترتفع به في الدنيا والآخرة, وإلا أصبح العلم وبالا وحجةً عليك, واتّضعت من

حيث طلبت الرفعةَ به.

وكلما كثُر علمك فليَكْثر عملُك وعبادتك ونفعك؛ وحينها يُبارَك لك في علمك.

سئل الإمام أَحْمَد بن حنبل رحمه الله عَنِ الرجل يكتب الحديث فيُكْثِر, فقالَ: "ينبغي

أن يكثر العمل به عَلَى قدر زيادته فِي الطلب, ثم قَالَ: سبيل العلم مثل سبيل

المال, إن المال, إذا زاد زادت زكاته".[125]

وكما تحرص على التعلّم فاحرص على التعبّد ما دمت لم تترأس وتنشغل, فقلبك

وذهنك في بداية الطلب في صفاء.

والاصطباغُ بصبغة العبادة حتى تكون من العابدين, الذين أثنى الله تعالى

عليهم في القرآن وأَكْثَر مِن مدحهم, وحتى تكون العبادة روحك وقرة عينك: تحتاج

إلى مجاهدة وصبر, وفراغ الخاطر من هموم الرئاسة والمناصب, فإذا لم تقو

وأنت في سعةٍ وفراغ, فلا تكاد تقدر بعد ذلك ولو حرصت.

قال أحمد بن صالح: قال لي الشافعي رحمه الله: يا أبا جعفر، تعبَّد من

قبل أن ترأس؛ فإنك إنْ ترأست لا تقدر أن تتعبد. ا.ه[126]

ولا يكاد يُعرف إمام في العلم إلا كان من أعبد الناس, وأحرصهم على نوافل

العبادات.

فهذا أبو هريرة رضي الله عنه كان هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أثلاثاً،

يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا.[127]

وهذا سعيد بن المُسيِّب رحمه الله يقول: ما فاتَتْني الصلاةُ في جماعة منذ أربعين

سنة.

وهذا الشافعيُّ رحمه الله قد جزَّأ الليل، فثُلُثُه الأول يكتُب، والثاني يُصَلِّي،

والثالث ينام.

وهذا الإمام أحمد بن حنبل كان يقرأ كل يومٍ سُبعاً، وكان ينام نومةً خفيفة بعد

العشاء، ثم يقوم إلى الصباح يُصلي ويدعو.

وكان يقوم لِورده قريبًا من نصف الليل حتى يقاربَ السَّحَر.

وكان يتعجب ممن لا يحيي ليله ويقول: رجل يطلب العلْم لا يكون له ورْد

بالليل؟.[128]

وهذا شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله يقول عنه البزار رحمه الله: كَانَ قد قطع

جلّ وقته وزمانه فِيهِ – أي العبادة -, حَتَّى إنه لم يَجْعَل لنَفسِهِ شاغلة تشغله عَن

الله تَعَالَى مَا يُرَاد لَهُ, لَا من أهل وَلَا من مَال.

وَكَانَ فِي لَيْلَة متفردا عَن النَّاس كلهم خَالِيا بربه عز وَجل, ضارعا مواظبا على تِلَاوَة

الْقُرْآن الْعَظِيم, مكررا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية.

وَكَانَ إذا أحرم بِالصَّلَاةِ تكَاد تتخلع الْقُلُوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام, فَإِذا

دخل فِي الصَّلَاة ترتعد أعضاؤه, حَتَّى يميله يمنة ويسرة. ا.ه[129]

وصلى الفجر مرة ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ويقول: هذه

غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. ا.ه[130]

وهذا تلميذه ابن القيم رحمه الله يقول عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله: لا أعرف

في هذا العالم فِي زَمَانِنَا أَكْثَرَ عِبَادَةً مِنْهُ، وَكَانَتْ لَهُ طريقة في الصلاة يطليها

جِدًّا, وَيَمُدُّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا، وَيَلُومُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَلَا يَرْجِعُ

وَلَا يَنْزِعُ عَنْ ذَلِكَ رَحِمَهُ اللَّهُ. ا.ه[131]

والأمثلة في ذلك كثيرة جدًّا.

فينبغي لطالب العلم أنّ يجتهد في القيام بالعبادات, وأن يُسارع إلى

الطاعات, وأن يدرّب نفسَه عليها, فإن لم يُفتح له بابٌ من هذه الأبواب فلا

يؤدّي به إلى ترك العلم؛ بسبب أنه لم يُفتح له هذا الباب مع بذل جهده ووسعه.

فيا طالب العلم: لا يسبقك أحدٌ إلى الله، لا في صدق توجهك إليه, ولا في عنايتك

بكتابه, ولا في عبادتك, ولا في طهارة قلبك وصلاحه, ولا في أخلاقك, ولا في زهدك

وورعك.

وأكثِرْ من قول: (يا حيُّ يا قيوم، برحمتك أستغيث, أصلح لي شأني ولا تكلني إلى

نفسي طرفةَ عين, ولا حول ولا قوة إلا بك)، فإن أثرها ونفعها لا يخطر على بال.

***

[123] رَسَخ الشيء رُسوخا، إذا ثبت في موضعه, والعلم يَرْسَخُ في القلب، وهو راسِخٌ في العلم: داخل فيه مدخلا ثابتا. [العين (4/ 196)]. فمادة (رَسَخَ) أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الثَّبَاتِ, وَيُقَالُ رَسَخَ: ثَبَتَ، وَكُلُّ رَاسِخٍ ثَابِتٌ. [مقاييس اللغة (2/ 395)]

[124] مجموع رسائل ابن رجب (4/ 89)

[125] طبقات الحنابلة (2/23)

[126] تاريخ دمشق لابن عساكر (51/ 365)

[127] رواه البخاري: 5441

[128] حياة السلف بين القول والعمل: 195 , وما بعدها.

[129] الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (ص: 38).

[130] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 42).

[131] البداية والنهاية (14/ 270)

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ١٤٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ١٤٣