تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13- ((لذة العلم))

طالب العلم يجد شوقًا عظيمًا للكتاب, بحيث يتفرغ تفرغا كاملا للحبيب الذي

لا تُمل مجالسته, والخليل الذي لا تحلو الحياة بالبعد عنه.

كيف لا يفرح وهو ينتظر الكنوز الإيمانية والعلمية والعملية التي

سيجنيها منه, وينتظر انشراح الصدر والسعادة أثناء الاستمتاع في القراءة,

التي هي ألذّ في قلبه وأشهى من كنوز الأموال والجواهر.

كيف لا يفرح وهو ينتظر الفتوحات الربانية, التي يطمع من الله الكريم

الوهاب الرحيم, الودود الجواد الحليم, أنْ يُفيضها عليه كما عوَّده في قراءاته

السابقة.

كيف لا يفرح بقراءة كتب أهل العلم وهي التي زادته معرفةً بربّه جل

جلاله, فلولا توفيق الله تعالى له بتيسير هذه العلوم لَمَا زادت معرفته

بربه, ولا أنس بالقرب منه, ولا انشرح صدره بذكره, والإقبالِ عليه, ولا صلح

حالُه بحبه ورجائه.

ولكن هذه اللذة لن تأتي إلا بعد سنوات من الطلب والصبر والمصابرة, وما

أجمل ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله: إنما رغب أكثر الْخلق عَن اكْتِسَاب

هَذِه السَّعَادَة – أي سعادة العلم – وتحصيلها: وُعُورةُ طريقها, ومرارة مباديها,

وتعب تَحْصِيلهَا, وأنها لا تنال إلا على جسر من التَّعَب, فإنها لا تحصل إلا

بالجد الْمَحْض.

وسَعَادَة الْعلم لَا يورثك إياها إلا بذلُ الوسع وَصدق الطّلب وَصِحَّة النِّيَّة, وَقد

أحسن الْقَائِل فِي ذَلِك:

فَقل لمرجِّي معالي الأمور ... بِغَيْر اجْتِهَاد رَجَوْت المحالا

وَقَالَ الآخر:

لَوْلَا الْمَشَقَّة سَاد النَّاس كلهم ... الْجُود يفقر والإقدام قتال

وإن كَانَت – أي السَّعَادَة - فِي ابتدائها لَا تنفك عَن ضربٍ من الْمَشَقَّة والكره

والتأذي, فإنها مَتى أُكرهت النَّفس عَلَيْهَا وسيقت طَائِعَةً وكارهةً إليها, وَصَبَرت

على لأوائها وشدتها أفضت مِنْهَا إلى رياض مُؤنِقة, ومقاعد صدق, ومقام كريم,

يجِد كلَّ لَذَّة دونهَا كلعب الصَّبِي بالعصفور بِالنِّسْبَةِ إلى لذات الْمُلُوك, فَحِينَئِذٍ

حَال صَاحبهَا كَمَا قيل:

وَكنت أرى أنْ قد تناهى بِيَ الْهوى ... إلى غَايَةٍ مَا بعْدهَا ليَ مَذْهَب

فالمكارم منوطة بالمكاره, والسعادة لَا يُعبر إليها إلا على جسر الْمَشَقَّة,

ولَا تُقطع مسافتها إلا فِي سفينة الْجد وَالِاجْتِهَاد, قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه[34]:

قَالَ يحيى بن أبي كثير: لا ينال الْعلم براحة الْجِسْم, وَقد قيل: من طلب الرَّاحَة

ترك الرَّاحَة.

فيا وصل الحبيب أما إليه ... بِغَيْر مشقةٍ أبدًا طَرِيق

وَلَوْلَا جهل الأكثرين بحلاوة هَذِه اللَّذَّة, وَعظم قدرهَا: لتجالدوا عَلَيْهَا

بِالسُّيُوفِ, وَلَكِن حفت بحجاب من المكاره, وحجبوا عَنْهَا بحجاب من الْجَهْل, ليختص

الله بها من يَشَاء من عباده, وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم. ا.ه[35]

نسأل الله مِن فضله.

***

[34] رقم: (612).

[35] مفتاح دار السعادة: 1/362-364

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ٤١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ٤١