10- ((طريقة سهلة نافعة في الاختصار))
أسهل وأحسن وسيلةٍ لاختصار الكتب في العصر الحاضر: أن تجعل الحاسب الآلي
أمامك, وتفتح الكتاب الإلكتروني من خلاله, وهو في الغالب موجودٌ في البرامج
الإلكترونية, مثل المكتبة الشاملة, وتجعل الكتاب الورقيّ بين يديك, فعندما
تمر بفائدة, أو تريد تلخيص كلامٍ: اذهب إلى مكانه في الحاسب, وقم بنَسْخه
ولصقه في ملف الوورد, بدلاً من الكتابة باليد.
وافتح مُجلَّدًا لكلِّ كتابٍ تقرؤه, ثم افتح فيه نوافذ وورد, واكتب على كلّ ملفٍ
ما يلي:
1- منهجيَّة المؤلِّف في كتابِه وشخصيَّتُه وعقيدتُه.
ثم دوِّن فيه ما يتعلق بهذا الموضوع, وأعط قلمك الحرية والمرونة.
2- نبذة تعريفيّة عن الكتاب, وهي شبيهةٌ بالفهرس, وهذه تكتبها أثناء
قراءتك له, ولا تعتمد أبدًا على جهد المحقق.
3- فوائد في العقيدة.
4- فوائد في الفقه.
5- فوائد في السلوك.
وعلى حسب الكتاب تفتح نوافذ أكثر, فإن كان يهتمّ بالحديث فضع ملفًا
اسمه: فوائد حديثيّة ونحو ذلك.
6- المآخذ العلمية على الكتاب.
7- ترجيحاتُه.
8- ردودُه واسْتدراكاتُه.
وخلال القراءة تأمَّلْ في أيِّ كلامٍ وترجيحٍ لم تقتنعْ منه, وتأملْ في أيِّ حديثٍ
فيه ضعفٌ أو كلام- والْمُحقّق يُبَيِّنُ ذلك غالبًا- وإذا مرّ بك تصحيفٌ أو خطأٌ مطبعيٌّ
فعدِّله وصوِّبه.
واكتب في الحاشية ما تراه من تعليقٍ أو تعقيب أو تصحيحٍ - دون البحث في
المراجع الأخرى, وإلا لطال الزمن في القراءة-.
وكن جريئًا وواثقًا خلال تعليقك وترجيحك وإبداءِ رأيك.
فإنّ كلّ قولٍ لا نصّ فيه من الشرع الحكيم قد يقبل الأخذ والردّ, والْمُصَنّفون
في الأصول والفقه والنحو وعلوم القرآن لم يجعلوا كتبهم حُجّةً يجب الرجوعُ
إليها في كلّ شيء, ولم يدّعوا أنّ أقوالهم كلّها صحيحةٌ لا يجوز الاستدراك
عليها.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى في مقدّمة كتابه: "الموافقات"[109] شارحًا
الغرض من تأليفِه: لِيَكُونَ -أَيُّهَا الْخِلُّ الصَّفِّيُّ، وَالصَّدِيقُ الْوَفِيُّ- هَذَا الْكِتَابُ عَوْنًا
لَكَ فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ، وَشَارِحًا لِمَعَانِي الْوِفَاقِ وَالتَّوْفِيقِ، لَا لِيَكُونَ عُمْدَتَكَ فِي كُلِّ
تَحَقُّقٍ وَتَحْقِيقٍ، وَمَرْجِعَكَ فِي جَمِيعِ مَا يعنُّ لَكَ مِنْ تَصَوُّرٍ وَتَصْدِيقٍ؛ إِذْ قَدْ صَارَ عِلْمًا مِنْ
جُمْلَةِ الْعُلُومِ، وَرَسْمًا كَسَائِرِ الرُّسُومِ، وَمَوْرِدًا لِاخْتِلَافِ الْعُقُولِ وَتَعَارُضِ الْفُهُومِ،
لَا جَرَمَ أَنَّهُ قَرَّبَ عَلَيْكَ فِي الْمَسِيرِ، وَأَعْلَمَكَ كَيْفَ تَرْقَى فِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَإِلَى أَيْنَ
تَسِيرُ، وَوَقَفَ بِكَ مِنَ الطَّرِيقِ السَّابِلَةِ عَلَى الظَّهر، وَخَطَبَ لَكَ عَرَائِسَ الْحِكْمَةِ ثُمَّ وَهَبَ
لَكَ الْمَهْرَ.
فقدِّمْ قَدَم عَزْمِكَ؛ فَإِذَا أَنْتَ بِحَوْلِ اللَّهِ قَدْ وَصَلْتَ، وَأَقْبِلْ عَلَى مَا قِبَلك مِنْهُ؛
فَهَا أَنْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَدْ فُزْتَ بِمَا حَصَّلْتَ، وَإِيَّاكَ وَإِقْدَامَ الْجَبَانِ، وَالْوُقُوفَ مَعَ
الظَّنِّ وَالْحُسْبَانِ، وَالْإِخْلَادَ إِلَى مُجَرَّدِ التَّصْمِيمِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ، وَفَارِقْ وَهَد[110]
التَّقْلِيدِ رَاقِيًا إِلَى يَفَاع الِاسْتِبْصَارِ". ا.ه
تأمل قولَه: "لَا لِيَكُونَ عُمْدَتَكَ فِي كُلِّ تَحَقُّقٍ وَتَحْقِيقٍ، وَمَرْجِعَكَ فِي جَمِيعِ مَا يعنُّ
لَكَ مِنْ تَصَوُّرٍ وَتَصْدِيقٍ", أي لا تجعل ما في كتابي هو العمدةَ والمرجع الوحيد, بل
اجعله عونًا لك على الفهم وتقريبِ العلم, فقد يكون فيه ما يُخالف المذهب
الحقّ, وليس كلامي نصًّا من القرآن والسنة لتحتج به على غيرك, ولكن اسْتئنس به
واسْتشهد به.
ثم تأمل كيف نهاك عن التقليد له أو لغيرِه.
وقد "جعل التقليد بمنزلة الوَهَد، وهو المنخفض من الأرض؛ لأن المقلد لا
يرمي ببصره إلى ما وراء قول متبوعه أو فعله، فكأنه في منحدر تمنعه جوانبه
من أن يمد عينه إلى ما خلفه من ملكوت السموات والأرض، وجعل التبصر بمكان
اليفاع وهو الرابية؛ لأن المتبصر لا يقف بفكره جامدا على ما يسبق إليه من
قول أو يشهده من عمل، بل ينفذ ببصيرته الصافية إلى مرتقى الاستدلال؛ فكأنه
قائم على أكمة يشرف منها على مواقع شتى ليتخير من بينها أبدع المناظر
وأصفى الموارد".[111]
والمقصودُ أنْ تعلّق في الحاشية ما تراه وما تُلاحظه.
فعندها ستشعر بانتماءٍ عجيبٍ نحو الكتاب, ومحبةٍ وشغفٍ لإكماله, وفائدةٍ
عظيمة عند الانتهاء منه.
وتكون بهذا قدْ وَعَيْت الكتاب وفهمتَه, ويسهل عليك اسْتحضاره والرجوع لأيّ
جزءٍ من أجزائه.
واعلم أنّ القراءة المجردة لا تخرج منها إلا بفوائد قليلة جدًّا, ما لم
يصحبها عملٌ وجهد؛ كالتلخيص والعمل بالعلم والتعليم ونحو ذلك.
***
[109] ص 11-12
[110] الوهد الأرض المنخفضة.
[111] حاشية محمد الخضر حسين ومحمد حسين مخلوف في تحقيقهما للكتاب.