2- ((المنهجيّةُ الصحيحةُ في العنايةِ بالكتابة والتأليف))
يجد كثيرٌ من الخطباء, والمؤلفين, والباحثين في الدراسات العليا وغيرها
في بداية أمرهم, وأوائل شأنهم, صعوبة بالغة في الإعداد, فيُصابون بالإعياء
والإجهاد؛ وذلك لأنّ الواحد منهم ظنَّ أن الأسلوب الناجع في البداية, أنْ يبدأ
بالتسلسل الموضوعيّ بعناصرِه الدقيقة, فلا يتعدى عنصرا حتى يتقن الذي قبله,
فيمكث في ذلك مدَّةً طويلة, ثم تأتيه الحيرة في الترتيب والتنسيق, وبأيِّ شيء
يبدأ... وهكذا فهو في حَيص بيص[82], ويعيش في حيرةٍ وتذبذب, ويستولي عليه
الخوف والقلق.
فمن المهم أنْ ندرك أنّ التأليف فنٌّ ومهارةٌ, يحتاج كغيره من المهارات
والفنون إلى ممارسةٍ, وتنميةٍ, ودربة, وجدٍّ, وصبر, ومصابرة, فمع الليالي
والأيام يزداد المؤلف والباحث خبرةً وإتقانًا.
ومن لم يقم بتنمية مهارةِ التأليف ضعفت, وربما ماتت, وعسر عليه اتقانُها
بعد ذلك, ولو كان كثير الحفظ والمطالعة, وحادّ الفهم والذكاء.
ومرحلةُ الشباب هي أفضل مرحلةٍ لبداية التأليف؛ لصفاء الذهن, ونشاط
البدن, وسهولة تقبّل النقد, والسعيِ في التغيير والتجديد, مع ضرورة التسلّح
بالعلم, وأهميّة الاستعانة – بعد الله تعالى – بالاستشارة, ولزوم التحلّي
بالتأنّي, وعدمِ الاستعجال بالنشر, إلا بعد عرضِه على أكثر من واحد من طلبة
العلم, الذين لهم باعٌ في ذلك, وعندهم تفاعلٌ ونصح, فإذا عرض عليهم كتابًا
يحتاج إلى إبداء رأي, أوْلوه اهتمامًا, وبذلوا غاية نصحهم.
وإنّ الكتابة من أعظم أسباب تنشيط الهمّة, ولذا تجد من اتجه للتأليف من
أحرص الناس على وقته.
وأعرف رجلاً ضعيف الهمّة في طلب العلم, ويُعاني من عدمِ تنظيم الوقت, فنُصِحَ
بأنْ يُؤلّف ويُكثر من البحث, فاسْتجاب لذلك, وأخبر بعد مُدّةٍ بأنه رأى تغيّرًا
كبيرًا عن ذي قبل, وفتح الله عليه في العلم والتأليف والبحث.
وهل يُطيق طالبُ علمٍ حياةً بدون إدمانِ بحث, أو تعليمٍ ونشرِ ما عَلِمَه, أو
تأليف؟
وهل يرضى بأنْ يُوصَف بأنه طالبُ علمٍ بدون واحدةٍ منها؟
والتأليف هو فتح من الله تعالى وتوفيق, ثم هو مهارةٌ تحتاج إلى دربة وعزيمة
وجرأة, ولا تجد طالب علم إلا وهو يفكر في التأليف والكتابة والبحث, وجلهم قد
بدأ وكتب, لكن فتر وتراخى لسببٍ مِن الأسباب.
"وليس التأليف إلا مثل التلقيح للثمار, وطرح البذر في الأرض الطيبة, ثم
يَهَب الله من البركة ما يشاء وهو الفتاح العليم".[83]
واعلم أنّ كل من صنف وكتب فله طريقته التي يسلكها, ومنهجه الذي يسير
عليه, وإليك هذه القواعد المهمة, والنصائح النافعة, التي ينبغي لك – يا
طالب العلم - إذا أردت التصنيف أو البحث أن تعتني بها, وتأخذ بها:
1- الاستعانة بالله وحده, والافتقار إليه سبحانه, متبرئًا من حولك وقوتك,
شاكيًا إليه ضعف حالك, "وإذا لم يأت العبدَ من الله سداده، ولا كان من بحره
استمداده، لم يغن عنه اجتهاده".[84]
وصدق القائل:
إِذا لم يكن عون من الله للفتى ... فَأول مَا يجني عَلَيْهِ اجْتِهَاده
2- صنِّف لسدّ حاجتك, ونفع نفسك, ولا تصنّف كتابًا لمجرد نفع الناس فقط.
واجعل وقتَك مصروفًا في القراءة والبحث والنَّظر في الأدلة وأقوال العلماء وأهل
الخبرة والتجربة, ثم دوّن ذلك, واكتب ما يُمليه خاطرك, ثم بعد أن يكتمل أو
يقارب الاكتمال, وترى أنّ غيرك سينتفع به كما انتفعتَ: فهيّئه للنشر.
فإن هذه النية – أعني التصنيف لأجل إفادة الناس فقط -: تُوحي بأنك قد
كملت, أو قربت من الكمال.
ومن كانت هذه نيّته فإنه سيجعل همّه التأليف, والإكثار منه, والانصراف عن
القراءة وجرد الكتب وضبط العلم, وسيُصاب بهوس التأليف, واللهث وراء أخبار
المؤلفين, والمواضيع التي يرغبُها الناس؛ لِيَكون إقبالهم على شراء الكتاب
أكثر, وربما أدى هذا – كما حصل في هذا الزمان – إلى كثرة الحشو, وسرقة
كلام الآخرين من مؤلفاتهم, وبهذا يُصبح هدف المؤلف الجمع والتكاثر, وقد ذمّ
الله تعالى من هذا شأنُه بقوله: ﴿ألهاكم التكاثر﴾, ويطلبون الدنيا بالدين,
وهؤلاء من أخسّ الناس عند الله رب العالمين, قال الفضيل بن عياض رحمه الله:
لأَنْ أطلب الدنيا بطبل ومزمار أحبُّ إليّ من أطلبها بالعبادة.
وقال أيضًا رحمه الله: لأن يطلب الرجل الدنيا بأقبح ما تطلب به، أحسن من
أن يطلب بأحسن ما تطلب به الآخرة.
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: مِنْ شرط العالم أن لا تخطر محبة
الدنيا على بالِه.
وقيل له: مَن سفلة الناس؟ قال: الذين يتعيّشون بدينهم.[85]
ومن المعلوم أنّ العلم عبادة, فلا يجوز أن يُطلب به الدنيا.
والعنايةُ بتصحيح النية من أعظم أسباب القبول والتوفيق والرفعة في
الدنيا والآخرة, ولو رُفع أحدٌ فاسدُ النيةِ في الدنيا عند عوامّ الناس, فلن
يُرفع عند خاصتهم من أهل العلم والصلاح, ولو رفع – جدلا – فلن يرفع عند
الله رب العالمين, وأي رفعةٍ مؤقتة يعقبها هوانٌ: لخاسر طالبها, وضالّ مَن سعى
مِن أجلها.
3- فكِّرْ فيما تُريد طرحه أو كتابته, ثم اكتب ما يُمليه عليك خاطرك, دون العناية
بالألفاظ والبلاغة والمقدمة, ودوِّن ما عَلِقَ في خاطرك مباشرةً دون تأجيل؛ لأنك
لو أجلّت لضاعت الأفكار والخواطر.
4- لا تُحاول جلب الأفكار والعناوين, بل اكتب ما يخطر في بالك.
5- اكتب ما يجول في البال مباشرة, دون حرصٍ على تدقيق ما تكتبه أو تُمْليه, ودون
الرجوع إلى المصادر, بل إذا تذكرت أثناء كتابتك كلامًا لأحد العلماء فأشِر
إليه في الحاشية, وإذا انتهيت بعد ذلك فارجع إلى المصدر وانْقله.
6- ثم ابدأ بجمع المادة العلمية والكتب التي تتحدث عن موضوعه, وانْظر في
الفهرس باحثًا عن الموضوع الذي تُريده, فاقرأ فيه, ثم ابحث في المكتبة
الشاملة, وفي الشبكة العنكبوتية كذلك.
فما وجدته متعلقًا ببحثك فخذه وضعه في ملف الوورد.
فالمهم في هذه المرحلة: أنْ تجمع وتكتب, بدون ترتيب وتحقيق, ودون تعليق
وتدقيق.
مع الرجوع إلى ما أشرت إليه أثناء الكتابة ممّا خطر لك من أقوال العلماء
ونحوهم.
7- ثم إذا انتهيت من كتابة ما في الخاطر, وانتهيت من جمع المادة العلمية من
الكتب ونحوها, فارجعْ إلى ما كتبته، ثم ابدأ بترتيب العبارات، وانتقاء
الألفاظ، وتصحيح اللغة والإملاء.
فإذا بك قد جمعتَ مادةً علميةً كبيرةً وقيّمةً, فحينها قم بطباعةِ بحثك, ثم
ابدأ بقراءته بتمعُّنٍ وتأنٍّ.
فاحذف ما لا يُناسب, وعَلِّق على بعض الكلام, ورتِّب عناصره.
وهكذا مع مرور الأيام تَجِد أنك قد أنجزت شيئًا عظيمًا, وكتبتَ ما لا يخطر
على بالك, ولن تشعر بالملل والسآمة, بل ستشعر بثقة في نفسك, وسهولةٍ في
بحثك.
فمن المهم أنْ تبادر إلى كتابة ما يخطر في بالك أولا, ثم أعد قراءة ما كتبت
بعد ذلك, وصحح الأخطاء, وعدّل بعض العبارات, واذكر الشواهد على ما كتبتَ.
8- حدِّد الوقت والساعة منذ البداية وحتى النهاية, كي ترى الفارق بين أوائل
كتاباتك وأواخرها, فتشعر بأنك كلما مرت عليك الأيام يكون زمن التحضير أقلّ,
فتزاد نشاطًا وحماسًا وثقةً.
9- الكتابة الأولى تكون عاطفيةً وبإسهاب, والمراجعةُ تكون بالعاطفة مع العقل
والنظر والتدقيق.
10- لا تَحمل همًّا للمُؤَلَّف والمقال والخطبة، بل اكتب كتابةً بدون تكلّف واهتمام
كبير.
11- ينبغي أنْ تُدوّن ما يخطر في بالك في أيّ وقت, ولا تقل: إذا ذهبتُ إلى البيت
سأدّونها, فسرعان ما تذهب عنك الخواطر المهمة, والقريحة الجيّدة.
قال العلامةُ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى عند تفسيره لإحدى الآيات:
وَقَدْ كُنْتُ كَتَبْتُ فِي مُذَكِّرَاتِي عَنِ الدَّرْسِ عِنْدَمَا تَقَدَّمَ "أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ لِهَذَا
التَّعْبِيرِ وَهِيَ".. وَتَرَكْتُ بَيَاضًا لِأَكْتُبَ فِيهِ مَا ظَهَرَ لِي مِنَ النُّكْتَةِ ثُمَّ نَسِيتُهُ إِلَى
الْآنَ! ا.ه[86]
وقال أبو الفتح عثمان بن جنيّ: من طريف حديث هذا الخاطِر أنني كنت منذ
زمان طويلِ رأيت رأيًا جمعت فيه بين معنى آيةٍ ومعنى قول الشاعر:
وكنت أمشي على رِجْلين معتدلاً ... فصرتُ أمشي على أخرى من الشجرِ
ولم أُثْبِتْ حينئذٍ شرحَ حالِ الجمعِ بينهما؛ ثقةً بحضوره متى استحضرتُه, ثم
إني الآن - وقد مضى له سنون - أُعَان الخاطرَ وأفانِيِه وأتودّده على أن يسمح لي
بما كان أَرانِيه من الجمع بين معنى الآية والبيت, وهو معتاصٌ متآبٌّ, وضَنينٌ به
غيرُ مُعْطٍ. ا.ه[87]
وقد كان الأئمةُ والعلماء والْمُفكرون, يُدوّنون أفكارهم, ويُؤلّفون كتبهم, في
أيّ مكانٍ كانوا فيه.
والكسل أساس السقم وضيق الصدر والتأخر للوراء, قال ابن القيم رحمه الله
تعالى: "ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس همًّا وغمًّا وحزنًا, ليس لهم فرحٌ ولا
سرورٌ, بخلاف أرباب النشاط والجدِّ في العمل أيِّ عملٍ كان, فإن كان النشاطُ في
عملٍ هُمْ عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته: كان الْتذاذُهم بحبِّه ونشاطُهم فيه
أقوى". ا.ه[88]
فلا تردّ خاطرةً سنحت لك في أي وقت, ولو لم تجد قلمًا فسجل الخاطرة بجهاز
التسجيل في الجوال, ثم اكتبها بعد ذلك, والخواطر هي نواة كتب كثير من
العلماء.
قال أحد طلاب العلم: إني أحمد الله تعالى أنه وفقني أنْ أكتب وأُصنف في
مواضيع كانت تهمني قبل أعوام, وربما لو لم أصنفها وأهتم بتقييد خواطري
حينها لما خطر ببالي الآن أنْ أكتب مثلها؛ لأمور كثيرة منها: انصراف الهمة
إلى علوم أخرى.
وإذا راجعت بعض كتبي, ثم نظرت في الفوائد والاستنباطات التي دوّنتها:
تملكني العجب مما دونت, وحينما أقرأ بعضها كأنّي لأول مرة أقرؤها وأعرفها,
ولو لم أدونها في حينها: لَمَا جاءتني هذه الخواطر والفوائد التي دونتها.
وقد جعلت يومًا أقلّب كتبي وجعلتُ أقول: كيف استطعت أن أكتبها؟
ولو أنها كانت لغيري لكبر في عيني, وجلّ قدره في نظري.
ولو أردت أن أصنف أحدها الآن لَربما لم أستطع
ولو كنت حينها قد اقتصرت على البحث والنظر والترجيح لَمَا قرّت عيني بهذه
المؤلفات التي أرجو ربي أن ينفع بها. ا.ه
فمن أهم الأمور على طالب العلم: أن يُدون خواطره التي تلوح له عندما
يقرأ كتابًا, أو يرى موقفًا, أو يسمع كلامًا, أو يتأمل ويُفكر في شيء.
فإنَّ غالبها لا تأتي إلا مرة واحدة, فحينما تُفوتها لا ترجع ثانية, فكم
سيربح من يدون خواطره وما تُثيره قريحته؟
وكم سيخسر من لم يفعل ذلك آلاف الدرر التي قد تكون كتبًا وبحوثًا
وتحقيقاتٍ يستفيد وتستفيد الأمة منها؟
وكثير من طلاب العلم تخطر في أذهانهم خواطر عظيمة ومهمة خلال القراءة
والبحث والتأمل, ولكن المشكلة أنهم لم يدوّنوا خواطرهم وأبحاثهم, وليتهم
فعلوا, فالهمة حينها تكون كبيرة وجاهزة للتصنيف والتدوين, ولن تتكرر الهمة
مرة ثانية في الغالب.
ومن بحث في مسألة أو موضوع بحثًا موسّعًا, ووصل إلى قناعات وترجيحات: فقد
قضى نهمته, ولو مضى على بحثه بضعةُ أشهر فلن يستطيع أن يبحث في نفس الموضوع
أو المسألة؛ فإن همة الإنسان تضعف كثيرًا عن إعادة بحثِ ما قد بحثه, فلو لم
يدوّن نتائج بحثه لضاع أثر ذلك عليه وعلى غيرِه.
فينبغي لكلِّ من امتلك موهبةَ الكتابة أن يستثمرها في بداية عمرِه قبل أن
يصل إلى الفتور, أو الانشغال بأمور المعيشة, أو بالعلوم الشرعية الأخرى,
فلا يجد نفسه مائلةً للتصنيف كما كان في أوائل عمره.
12- أغلق الجوال أثناء التأليف, فإذا قُطعتْ حبال الأفكار فمن الصعب إرجاعها.
13- وإذا كان الخطيبُ أو الْمُلقي مُبتدئًا فلا بأس بالاستفادة من غيره, خاصة
المتقنين والمجيدين, فيأخذ من خُطبهم, ثم يضعه في ملف وورد, وما يراه لا
يُناسب الْمُستمعين فَلْيحذفه, ولْيُضف إليه ما يراه مناسبًا ونافعًا, ومع مرور
الأيام يزيد من كلامه وعباراته, حتى يأتي اليوم الذي يُعد فيه إعدادًا كاملاً
من عنده بإذن الله. [89]
14- حينما تفيض مشاعرك في داخلك أثناء تأملك وتدبّرك, أو حصول موقف: فلا تردّها
ولا تكتمها, بل بادر في كتابتها؛ لأنّ مشاعرك حينها ليس فيها تكلُّفٌ ولا رياء
ولا تصنّع, بل فيها صدق وحرارة, تصل إلى قلوب الآخرين؛ لأنّ ما كان من القلب
يصل إلى القلب في الغالب, إلا إذا كانت مما لا ينبغي لأحد الاطلاع عليها,
فاكتبها كذلك ولكن لا تنشرها.
فالمشاعر والخواطر كالضرع, إذا حلبته فاض ودرّ, وإذا تركته جفّ وذبل وقرّ.
ولا تقل: هذه المشاعر لا يليق بها أن تظهر, وكن على يقين أنّ مَن كتم
مشاعره واعتنى بالزبدة, أو بالسجع, أو بقوة الأسلوب: لم تكن لكتاباته
الـتأثير البالغ, وحرم القارئ من أن يغوص في بحار المشاعر التي غاص بها,
وأنس بها أثناء ورودها, فلا غرو أن كانت كتبه ومصنفاته فيها نوعٌ من الجفاف
والبرود الذي لا يصبر عليه إلا طالب العلم الراغب في البحث أو الرسوخ في
العلم, فالعاطفة والمشاعر هي من أعظم الأركان في التصنيف والحديث.
"وَقَدْ تَأَمَّلْتُ فِي أَعْظَمِ أَسرَارِ النَّاجِحِينَ فِي الخَطَابَةِ وَالتأليف والتَّأثِيرِ:
فوجدتُ السرَّ والسببَ في ذلك قُوَّةَ العَاطِفَةِ التي عندهم، وقدرتهم على إظهار
مشاعرهم بالتفصيل لا بالإجمال.
فَإنَّ قُوَّةَ العَاطِفَة: تَدْفَعُ ذا البيانِ إلى تبيانها، وتَدْفَعُ ذا الحكمة إلى
إبدائها، فتجذبُ القلوب بسحرِها، وَتَأسُرُ العقولَ بجمالها وبراعتِها، وضعيفُ
العاطفة يموت كثيرٌ من علمه بموت عاطفتِه، وَيَتَلاَشَى تأثيرُه على الناس بموت
مشاعِرِه.
فَينبغي عَلَى الكاتب أنْ يمتلئ حماسة فيما يدعو إليه، واعتقادا بصدقه؛ لأن
ما يخرج من القلب يدخل إلى القلب, فلا بد أن تكون حماسة الكاتب أقوى من
حماسة القارئين له؛ ليفيض عليهم، ويروي غلَّتَهُمْ، وإلا أحسوا بفتور نفسه،
فضاع أثر قوله.
وَلا بُدَّ مِنْ طُولِ الدُّرْبَةِ فِي ذَلِكَ، عَبْر كِتَابَةِ الخَوَاطِرِ وَالمَشَاعِرِ، وَالتَّحَدُّثِ بِهَا
لِوَحْدِكَ ، ثُمَّ بالإِفْصَاحِ بِهَا لِمُحِبٍّ.
وَالمَشَاعِرُ كُلَّمَا حُبِسَتْ وَأُسِرَتْ جَفَّتْ وَنَضَبَتْ، وَكُلَّمَا كَانَتْ حُرَّةً – بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ
وفْقَ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ – تَفَجَّرَتْ وَسَالَتْ، فَأسْقَت الأورَاقَ كِتَابَةً وَتَصْنِيفًا،
وَالمَنَابِرَ خَطَابَةً وَبَيَانًا، وَالنَّاسَ مَحَبَةً وَحَنَانًا.
فَأطْلِقْ – أخِي طالب العلم - لِمَشَاعِرِكَ وَعَوَاطِفِكَ العَنَانَ؛ لِتَدِبَّ فِيكَ وَفِي غَيْرِكَ
الحَيَاةَ وَالإبْدَاعَ وَالنَّهْضَةَ وَالنُّمُوَّ وَالرَّحْمَةَ".[90]
وانظر إلى المشاعر الرائعة النافعة في كتب ابن الجوزي وابن حزم والذهبي
وابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغيرهم رحمهم الله, كيف جعلت لكلامهم
حلاوة وجمالا, وفائدة وكمالا.
15- لا تتكلف في صياغةٍ, ولا استدلالٍ, ولا إحاطةٍ في الموضوع الذي تكتبه.
16- ارسم خطةً لكلِّ كتاب تقرؤه, أو بحثِ مسألة, وحدِّد هدفك من ذلك, والقاعدة تقول:
التخطيط الدقيق, والتركيز على الهدف, هو أسرع الطرق للوصول إليه، وما أكثر
الذين يبذلون جهودًا عظيمةً وكثيرة, ولكنهم لم يحددوا الهدف, ولم يسعوا له,
ولم يصبروا عليه, فهم كما قال الشاعر:
ومشتتِ العزماتِ ينفقُ عمرهُ ... حَيْرَانَ لا ظَفَرٌ وَلا إِخْفَاقُ
وهؤلاء تأخذهم الحماسة عند الشروع في قراءة كتاب, أو كتابة بحث، لكن
دون تخطيط دقيق، ولا يلبث إلا قليلا حتى يتوقف في بداية الطريق أو في
منتصفه، ثم يلوم نفسه, ويحكم عليها بأنه إنسان فاشل!
واعلم أنّ الشجاعة والحزم مع النفس في رسم الهدف الدقيق, والمضي قدمًا في
تحقيقه: إنقاذٌ لك من القلقِ والاضطرابِ, وضمان – بمشيئة الله تعالى – بنتائج
مبهرة محقَّقَة.
17- اصبر على مرّ البحث والقراءة والكتابة, وما أصعب ذلك وأشقه على النفس,
ولولا ما يقذفه الله في قلب المؤلف من العزيمة والهمة لَمَا أطاق مكابدة
التصنيف والبحث والقراءة في الكتب المطولة, والصبر على مقاسات أتعابِها.
والأولى أن تكتب على مهل, بعد أن ترسم خطة لِلكتاب الذي تريد تصنيفه, ثم لا
تزال تكتب وتبحث يومًا بعد يوم, دون الانقطاع للتصنيف, واستمر على ذلك عدة أشهر
أو أعوام.
18- اصرف وقتك للقراءة والبحث وفق خطةٍ واضحةٍ.
وإذا كنت تقرأ: فعلق, أو لَخِّص, أو حقق, وإذا مرَّت بك فائدة وأنت تقرأ
فضعها في ملف (وورد), ثم اجمع النظير إلى نظيره, ومع مرور الأيام ستجتمع
البحوث والمؤلفات والكتب, وتنمو وتكبر وتتوسع بإذن الله تعالى.
ثم تفرغ زمنًا لإتمام البحث, والتفرغ يتفاوت, فبعضها يستغرق أيامًا,
وبعضها يستغرق أشهرًا, إلا في تهذيب أو تقريب الكتب المطوّلة, فتحتاج إلى
زمن أطول.
19- عندما تقرأ في كتب أهل العلم فانقل منها إلى كلّ كتاب لك ما يناسبه, وبعض
الكتب أو البحوث التي تشرع في تصنيفها وبحثها قد تمكث عندك لسنوات, وخلال
هذه السنوات ستقرأ كثيرًا من الكتب المتنوعة, وستقف على بحوث ومقالات
مختلفة, وستجد فيها كلامًا يعضد كلامًا لك في ذلك الكتاب, وآيةً أو حديثًا
يؤيّد كلامك في الكتاب الآخر, وأثرًا عن الصحابة والسلف الصالح يصحح ما
قررتَه فتتراجع عما كتبت.
فاجعل منهجك: (أبني كتبي التي أؤلّفها من كتبي التي أقرؤها).
20- انتهز المواقف التي فيها كدَرٌ عليك, واستثمر أخطاء الناس وسوء تصرفاتهم,
سواء كانت عليك أو على غيرك, ولا تجعل هذه المواقف والأخطاء تمرّ دون أخذ
العبرة منها؛ لتكون موضوع مقال أو خطبة أو كتاب.
وكثير من المؤلفات كان سببها تطاول مبتدع على الشريعة, أو سوء تصرف ممن ينتسب
للإسلام والسنة, فكتب بعض العلماء في ذلك كتبًا انتفع بها الناس إلى يومنا
هذا, وكثير من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كانت من هذا الباب.
فلا تظنّ أنّ المصائب شرٌّ محض, بل فيها خيرٌ عظيم لمن وفقه الله لأخذ العبرة
منها, واسْتَلْهم الدروس منها, فدوّنها أو تكلّم عنها.
فنهاك من ألَّف كتابًا عن الصداقة بسبب تصرّفٍ سيءٍ من صديقه.
وهناك من ألَّف كتابًا في العقيدة عمّ نفعُه بسبب كلامٍ من مبتدع ضال.
وهناك من ألَّف كتابًا في الفقه بسبب أخطاء شاعت بين الناس في بعض الأحكام
الشرعيّة.
وهناك من ألَّف كتابًا عن الحياة الزوجية بسبب رجل اشتكى له مشكلةً مع زوجته.
والأمثلة في ذلك كثيرة جدًّا.
21- لا ترجع إلى كتبٍ معاصرةٍ تكلمَّتْ عمَّا كتبتَ فيه في بداية البحث أو التأليف؛
لأنك لو رجعت إليها فقد يترتب على ذلك ما يلي:
1- فتور همّتك, ولقلت: لِمَاذا أكتب وأبحث وقد كُتب في هذا الموضوع؟
ولو لم يكن مقصدك كمقصده, وأسلوبك كأسلوبه.
2- التأثر والميول إلى بعض ما خلص إليه, وبأسلوبه وطريقته, ومن المعلوم أنّ
لكل كاتبٍ أسلوبَه الخاصَّ به.
3- كثرة النقل عنه, والعزوف عمَّا عندك من المصادر في الكتب والمراجع
المعتمدة.
***
[82] في القاموس المحيط: البَيْصُ : الشدَّةُ والضيقُ. ووَقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ.. أي : اخْتِلاطٍ لا مَحِيصَ عنه.
[83] إيثار الحق على الخلق, لابن الوزير (تـــ سنة: 840): 70
[84] قانون التأويل للقاضي محمد بن عبد الله أبي بكر بن العربي المالكي (المتوفى: 543هـ): (ص: 455)
[85] حياة السلف بين القول والعمل (ص: 230).
[86] تفسير المنار 5/344
[87] الخصائص, الناشر: عالم الكتب, تحقيق: محمد علي النجار: 1/ 207
[88] روضة المحبين: 168
[89] آدابُ طالِبِ الْعِلْمِ وسُبُلُ بِنَائِه ورُسُوخِه, للمؤلف: 141-147
[90] صِنَاعَةُ خَطِيبٍ مَاهِرِ, للمؤلف, مع شيء من التصرف: 30