8- ((أخلاق طالب العلم))
طلب العلم من أعظم أسباب نيل واكتساب حسن الخلق, ومن طلب العلم ولم
يكتسب حسن الخلق والتواضع وهضم النفس فذاك لخلل في طلبه أو نيته وصدقه؛
وذلك لأنّ أعظم العلوم: العلم بالله, ودينه, وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم,
ومن ازداد علمه بالله وعظمته وحقه عليه, وعلم بما أعده من الثواب
للمتمسكين بشرعه, وبالعذاب لمن خالف أمره: فإنه سيزداد خوفًا منه, واحتمالاً
للأذى لأجله, وسوف يسعى جاهدا في التخلص من أمراض القلب والرياء والعجب
ورؤية النفس والانتقام لها, وسيكون همُّه نصرةَ دين الله القويم, لا نصرة
حظوظ نفسِه.
ومن عرف الله تعالى: عرف استحقاقه للحمد والشكر والعبادة والحب
والتعظيم، وتقصيره في القيام بذلك, فلا يتسلل إلى قلبه هذا العجب ولا
الغرور ولا الكبر.
لو اسْتحضر طالب العلم, أو الداعي إلى الله, أو العالم, أو الصالح, قبح
ترفعه عن الخلق, وتثاقله في مشيته وحديثه, وعدم بشاشة وجهه: لأقلع عما كان
عليه وكره صنيعه, فالناس لا يقتربون ولا يحبون من هذه أخلاقه وطباعه,
وينظرون إليه نظرة ازدراء أو بغض, وأما صاحب البشاشة والتواضع واللين: فهو
بذلك قد ملك قلوب الناس, وإذا حضر مجلسًا فرحوا به, ورحبوا به, وخرجوا من
عنده منشرحةً صدورهم.
قيل لأحد حكماء العرب: ما لك تلقى العامة ببشر وترحيب؟
فقال: دفعُ ضغينةٍ بأخفِّ مؤونة, واكتسابُ مودّةٍ بأهون مبذول.
وينبغي أن ترى – يا طالب العلم - الفضل لمن بادرك بالسلام, أو سألك عن
مسألة, أو طلب منك رأيًا, أو شكا إليك همًّا, فافرح به, وأظهر له البشر, فهو
يستحقّ ذلك, فقد اختارك من بين كثير من الناس, وهو يرى فيك القدوة الحسنة,
فكن كذلك, وأبشر بالقبول والتوفيق.
فهذا حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما يقول : ثلاثة لا أكافئهم: رجل
بَدَأنِي بالسلام, ورجلٌ وسّع لي في المجلس, ورجل اغبرّت قدماه في المشي إليّ إرادة
التسليم عليّ, فأما الرابع فلا يكافئه عنّي إلا الله جلّ وعزّ, قيل: ومن هو؟ قال:
رجل نزل به أمرٌ فبات ليلَته يفكّر بمَنْ يُنزله, ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها
بي.[135]
وبعض طلاب العلم – هداهم الله - يرون أنَّ سلام الناس عليهم من حقهم
عليهم, وأنهم إنما سلموا عليهم يبتغون شرف السلام عليهم, وهم وإن لم
يقولوا ذلك بلسان مقالهم, فلسان حالهم يشهد بذلك, حيث إنهم يردون السلام
ببرود, ولا يظهرون البشر والفرح بسلام الناس عليهم, وهو من الكبر والترفع
وسوء الخلق أعاذنا الله من ذلك.
ويُخشى على أمثال هؤلاء أن يكونوا عند أنفسهم عظماء, وعند الله تعالى
محتقرين أذلاء, وقد استعاذ السلف الصالح من ذلك, قال عتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ رضي
الله عنه: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا، وَعِنْدَ اللهِ صَغِيرًا. رواه
مسلم[136]
قال ابن القيم رحمه الله: يَنْبَغِي للْعَبد أَن يستعيذ بِاللَّه أَن يكون عِنْد
نَفسه عَظِيما وَهُوَ عِنْد الله حقير. ا.ه[137]
وقال ابن الجوزي رحمه الله: أعوذ بالله من رؤية النفس ورؤية الخلق؛ فإن
من رأى نفسه تكبر، والمتكبر أحمق؛ لأنه ما من شيء يتكبر به إلا ولغيره
أكثر منه.
ومن راءى الخلق عبدهم وهو لا يعلم!
وقد رأينا من يرائي ولا يدري، فيمتنع من المشي في السوق، ومن زيارة
الإخوان، ومن أن يشتري شيئًا بنفسه!
وقد كان بشر الحافي يجلس في مجلس عند العطار.
وأبلغ من هذا كله أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يشتري حاجته
ويحملها.
وخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أمير المؤمنين إلى السوق،
فاشترى ثوبًا.
وقد كان طلحة بن مصرف قارئ أهل الكوفة؛ فلما كثر الناس عليه، مشى إلى
الأعمش فقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش، وتركوا طلحة.
والمعاملة مع الله تعالى هكذا تكون. ا.ه[138]
وإياك – يا طالب العلم – أن تغتر وتتكبر لأجل منصبك أو علمك أو جاهك,
فالناس إنما يمدحون – غالبًا – الغنيّ لأجل ماله, والأمير أو الوزير لأجل
منصبه, والوجيه لأجل وجاهته.
فلا تجعل مدح الناس لك سببًا في غرورك وتكبرك, ونفرتك من الناصحين.
وإياك أن يسبقك غيرك إلى السلام, بل بادر بالسلام على من مررت عليه,
ومن جلس بجوارك في مسجد أو في أيّ مكان.
ومن القبيح أنْ "يتعزَّز طالب العلم بعزة العلم, ويستشعر في نفسه جمال
العلم وكماله, ويستعظم نفسه ويستحقر الناس, وينظر إليهم نظره إلى البهائم,
ويستجهلهم, ويتوقع أن يبدؤوه بالسلام, فإن بدأه واحد منهم بالسلام أو رد
عليه ببشر أو قام له أو أجاب له دعوة رأى ذلك صنيعةً عنده ويداً عليه يلزمه
شكرها, واعتقد أنه أكرمهم وفعل بهم ما لا يستحقون من مثله, وأنه ينبغي أن
يخدموه شكراً له على صنيعه, بل الغالب أنهم يبرُّونه فلا يبرهم, ويزورونه فلا
يزورهم, ويعودونه فلا يعودهم".[139]
وما أجمل ما قاله ابن حزم رحمه الله: أقل مراتب العُجْب: أن تراه يتوقر
عن الضحك في مواضعه, وعن خِفَّة الحركات وعن الكلام. ا.ه[140]
أي: أنّ من مراتب العُجب أنْ يتجنب الرجل الضحك في مواضعه, وحصول أسبابه,
وأن يكون ثقيلا في حركاته, وتنقلاته, والتفاته, متكلّفًا في كلامه, كاتمًا
بعض مشاعره خوفًا من أن تكون سببًا في ذهاب هيبتِه.
وأكثر الناس علمًا بسنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون أحرص الناس
على الاقتداء به, لاسيما في أخلاقه وتعامله, كالحلم, والصبر على أذى الناس,
والكرم, والبشاشة, والرفق, وكظم الغيظ, والإحسان, والتواضع.
فيا طالب العلم: اجعل من أوجب واجباتك, وأعظم اهتماماتك: الاقتداء بأخلاق من
قال عنه ربه: (وإنك لعلى خلق عظيم).
***
9- (طالب العلم الصادق أينما كان الخير والنفع وجدته)
طالب العلم الصادق أينما كان الخير والنفع وجدته, فإن دُعي إلى إلقاء
موعظة على مجموعةٍ قليلة أجاب, وإن دُعي إلى تعليم فتيةٍ صغار بادر, لا يبحث
عن الكثرة ولا الشهرة, ولا يُبالي أكان الحضور وجهاء أم فقراء, مائةً أم
خمسة, لا يشترط لنفع الناس شروطًا, يحمل همّ تبليغ الرسالة لا النتيجة, فما
عليه إلا البلاغ, يرجو رضا الله لا رضا نفسِه وهواه, وحاله كحال ذاك
المجاهد الصادق المخلص الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "طوبى لعبد
آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُه، مغبرةٍ قدماه، إن كان في
الحراسة[141] كان في الحراسة، وإن كان في الساقة[142] كان في الساقة، إن
استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفَّع". رواه البخاري[143]
فلتكن همّك حينما تلقي كلمة أو درسًا أنْ ترضي ربك وتبرئ ذمتك, ولو لم
يحضر عندك إلا القليل من الناس.
ولا تهتمّ بما يُقال عنك إذا نصحت واجتهدت في تحسين أدائك وأسلوبك,
وبذلتَ وُسعَك في البحث والتحقق من الكلام الذي ستقولُه وتكتبه, ولو أخطأت بعد
ذلك فلا عليك, فالله تعالى قد عذرك ولن يُؤاخذك, بل سيأجرك - إن أخصلت
وصدقت -, فَلِمَ يضيق صدرك بمؤاخذة المخلوق, والخالق لن يؤاخذك؟
ولِمَ تحزن لعدم الْتماس العذر لك من بعض المخلوقين, والمعبودُ الحقُّ جل
وعلا قد عذرك, بل وآجرك؟
***
[135] عيون الأخبار 3/177
[136] (2967)
[137] جلاء الأفهام (ص: 240)
[138] صيد الخاطر: 313
[139] إحياء علوم الدين: 3/348-349
[140] رسائل ابن حزم (1/ 395)
[141] أي: جُعل في مقدمة الجيش ليحرسه من العدو.
[142] أي: مؤخرة الجيش.
[143] (2887), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.