تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11- ((فوائد تقييد الخواطر))

من أهمّ وأفضل الأشياء: تقييد طالب العلم لخواطره, وتأملاته

واستنباطاته.

ومما لا ريب فيه أنّ الخاطرة هي أساس أغلب المشاريع الضخمة, وأول لبنات

المؤلفات النافعة, وأصلُ التأملات والاستنباطات البديعة.

"فينبغي أنْ تُدوّن ما يخطر في بالك من خواطر مهمّة في أيّ وقت, ولا تقل: إذا

ذهبتُ إلى البيت سأدّونها, فسرعان ما تذهب عنك الخواطر المهمة, والقريحة الجيّدة.

واكتب ما يُمليه عليك خاطرك, دون العناية بالألفاظ والبلاغة والمقدمة, ودوِّن

ما عَلِقَ بمُخيلتك مباشرةً دون تأجيل؛ لأنك لو أجلّت لضاعت الأفكار والخواطر.

وكتابةُ ما في الخاطر مُباشرةً من أهم الأمور, فكثيرًا ما تلوح في الخاطر

عبارات جميلة, وخواطر مُهمّة, فإن لم تدوِّنْها ذهبت, ولو بقيت صعب تدوين الصيغة

المناسبة لها, فمن حين ما تأتي الخاطرة تأتي الصيغة المناسبة والأسلوب الجميل

معها, ولذلك فمن أشد ما يخسره من يُفرط في تدوين الخواطر ضياعُ الصيغة المناسبة

والأسلوب الرائع لها.

وكلّما ازداد علم الإنسان, وعظمت خبرتُه, ونضج عقلُه, وقوي إيمانه بربّه: كثرتْ

خواطرُه, وعظم قدرها, وجزل معناها, وعمّ نفعُها.

فالعقولُ كمخالب الطيور الجارحة, كلّما كبرت وطاب نوعُها: كبرت مخالبها وصادت

الجزل من الفرائس, ولا تكاد تُخطئ, وإذا كانت صغيرة, أو كان نوعها رديئًا: لا

تكاد تصيد, وإن صادت صادت صغار الفرائس وأضعفها.

وأهل العلم الأفاضل أشدُّ حرصًا على صيدِ خواطرهم من الصياد لفريستِه.

وكثيرا ما يخطر للإنسان شيءٌ فيعجبه ويظن أنه قد عَلِق بذاكرته, فإذا هو في

الغد قد ضاع منه, وضاع معه مِفْتاحه, فانتهي إلى حيرةٍ في استعادته واسترجاعه.

فإذا ضاع القيد ذهب الصيد.

وصدق القائل:

فالعِلم صيد والكتابةُ قَيْدُهُ ... قيِّد صُيُودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أنْ تصيد غزالةً ... وتتركها بين الخلائق طالقة

وإذا لاحت الخاطرة لأحدهم بادر بصيدها, وإذا لم تكن معه آلة الصيد -

كالقلم والورق-: لم تسمح له نفسُه بتأخير صيدها خوفا من ضياعها وهروبها, فيتحيّل

لذلك بشتى الحيل, كأنْ يرددها حتى يحفظها.

ولو كان في مكانٍ لا يتمكن فيه من الصيد لم يدعها تذهب؛ كأن يكون يقود

السيارة, أو مع أصحابه أو قبيل خطبته أو درسه أو محاضرتِه, ولهم مواقف طريفة في

ذلك.

والخواطر كالبرق, في سرعةِ مُرورها وذهابِها وقوةِ إضاءتها, وبعض أنواع البرق

يكون قويًّا جميلاً مُضيئًا, وبعضه ضعيفًا خافتًا, وكذلك الخواطر, فهي ترد على الذهن

وتزول بسرعة غالبًا, وبعض الخواطر تكون جميلةً نافعةً, وإذا أحسن صاحبها

استغلالها وتوظيفها عظم نفعُها, وعمّ خيرُها, وجلّ تراث العلماء واختراعات

المخترعين كانت في بدايتها خاطرة عابرة.

وبعض العامة قد تخطر لهم خواطر لا تخطر على أذكياءِ الناس, ولقد قيّدت خواطر

بعض عامة الناس وفرحت بها, وبادرتُ إلى تقييدها بأسلوبي مع شيء من الإضافات

والتجميل.

وكنت أعجب من تلك الخواطر كيف مرت على عقولهم, وجرت على ألسنتهم".[112]

وفي تقييد الخواطر خمسةُ فوائد:

الأولى: أنه وسيلةٌ نافعةٌ لتحسين الأسلوب في التحدّث والتعبير.

الثانية: أنه من أعظم أسباب حفظها وضبطِها, وهي أشدُّ تفلّتًا من الإبل في

عُقْلها, وأسرع هربًا من الصيد في شبكة صائده.

فهذه الخواطر إذا لم يُدوّنها صاحبُها في حينها: هربت وطارت وتلاشت, ولن

يستطيع تذكرها بعد ذلك ولو سهر الليالي, وهي بمقدوره في وقتها خلال ثوانٍ

معدودة, بل قد تزول من ذاكرته تمامًا, وكأنها لم تخطر بباله قبل ذلك.

فكم في هذه الخواطر من الخيرات والبركات والنفع على صاحبها وعلى الناس.

وإذا دُوِّنت هذه الخواطر النفيسة, والتي هي من بنيّات أفكاره, وكذلك

الفوائد الفريدة التي يقيدها من بطون الكتب خلال قراءته واطلاعه بنفسه, أو

استفادته من غيره: فسوف يحفظها, وتستقرّ في قلبه وعقله, وتكون على طرف

لسانه متى احتاجها, فإذا كان في درس علميّ, أو في مجلس أو ندوة أو محاضرة

ثم جاء لذكرها مناسبةٌ سهل عليه إيرادها وإفادة الناس بها.

ولو لم يكن من ثمرات تدوين الخواطر والفوائد إلا هذه لكفى.

الثالثة: أنّ فيه نفعًا للآخرين, فلعل من يطلع عليها أو على بعضها

يستفيد في علمه أو عمله, وتكون عبرة وعظة, ولا يدري الإنسان ما هو العلم

الذي إن نشره كان أعمّ نفعًا, وأعظم بركة, وسببًا في مغفرة الله له, ورفعة

درجاته, والمرء سيموت حتمًا, وقد يبقى ذكره حيًّا بين الناس, أفلا يحبّ أحدنا

أن يبقى ذكره طيّبًا ويُدعى له إذا فني جسده؟

ألم تر أنَّ الناسَ تَخُلُدُ بعدهم ... أحاديثُهم والمرْءُ ليس بخالد؟

وكتابة الخواطر والذكريات ديدن كثير من العلماء والفضلاء, وقد نفع الله

بها نفعًا عظيمًا, والأمثلة كثيرة, ويكفي منها أعظم وأكبر ما أُلِّف في هذا

الباب, وهو كتاب الفنون لابن عقيل الحنبلي, قال ابن الجوزي رحمه الله عنه:

كان له الخاطر العاطر، والبحث عن الغامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى بـــ

"الفنون" مناطًا لخواطره ووقعاته. ا.ه[113]

فكم في تدوين الخواطر وتقييد الفوائد النادرة من منافع لا تُحصى.

وأعرف من كان يدوّن خواطره والفوائد النادرة من الكتب التي كان يقرؤها,

فبلغت عدد صفحاته قرابة ألفٍ وثلاثمائة صفحة, فقام في تهذيبها وترتيبها

وتصنيفها, فكانت المحصلة: أربعة كتب نافعة.

فلو لم يحفظ هذه الخواطر لَمَا خرجت هذه الكتب.

فتأمل – أيها القارئ الكريم – كيف أثمرت مثل هذه التدوينات والخواطر

العارضة, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, والله ذو الفضل العظيم.

والأحسن لمن دوّن أي خاطرة أنْ يحققها وينقحها في وقتها, مادام الذهن

حاضرًا وقتها.

فلا تزهد – أخي القارئ – بخواطرك, فقد تكون يومًا كتابًا ينفعك الله به.

الرابعة: أنه عونٌ للإنسان على صقل مهارةِ الكتابة, والدّربة عليها,

والرقيّ بها.

والتأليف والكتابة ملكةٌ ومهارة قابلةٌ للتطوير, فمن مرّن يده عليها

انساحت أفكاره, وجرت على لسانه الخواطر كجريان السيل في المنحدر, وسهلت

عليه صياغة العبارات؛ وأصبح لا يأخذ وقتًا في التفكير في اختيار العبارات

المناسبة, بتوفيق الله تعالى.

الخامسة: أنّ هذه الخواطر والتدوينات تُناسب أنْ تُنقل إلى مؤلفات يؤلّفها

لاحقًا, حسب ما يراه مناسبًا, فهي مادة علميّة جاهزة.

ولقد وقفت على كلام جميل للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله يوصي بتدوين

الخواطر, قال رحمه الله: ليس لديّ أوراق مكتوبة أدوّن فيها الحادثة حين

حدوثها, وأصف أثرها في نفسي، وهذا تفريط كاملٌ مني, لم يعد إلى تداركه من

سبيل، لذلك أوصي كل قارئ أن يتخذ له دفترًا يدوّن فيه كل عشيّة ما رأى في

يومه ، لا أن يكتب ماذا طبخ وماذا أكل؟

بل أريد أن يسجل ما خطر على باله من أفكار ، وما اعتلج في نفسه من

عواطف ، وأَثَر ما رأى أو سمع في نفسِه ، لا ليطبعها وينشرها ، فما كلُّ الناس

من أهل الأدب والكتابة والنشر، ولكن ليجد فيها يوما نفسه التي فقدها.

انتهى[114]

إنَّ الشيخَ يوصينا بوصيةٍ مهمةٍ ألا وهي كتابةُ المذكرات ، والأفكار ،

والمشاعر.

والشيخ رحمه الله تحسر على عدم وجود أوراق ليدوّن فيها الحادثة حين

حدوثها, ويصف أثرها في نفسه, وحقّ له أن يتحسر, ولقد خسر هو وأهلُه والناس

بعد ذلك كنوزًا كانت مغمورة في صدره, ولو كانت بين يديه تلك الأوراق

لأخرجها وأدّى زكاتها, وانتفع بها هو وملايين الناس.

***

[112] عِبَاراتٌ أثَّرَتْ عَلَيَّ وَغَيَّرَتْ فِيْ حَيَاتِي: 164-166

[113] ذيل طبقات الحنابلة (1/ 324)

[114] الذكريات: 1/17

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ١٢٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ١٢٦