تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14- ((كيف استطاع المؤلف الصبر على مرّ التأليف))

يتساءل بعض المؤلفين إذا انتهى من تأليف كتابٍ له: كيف استطعت تأليفه,

وكيف صبرت عليه, وكيف لم أملّ من طول المكث على تأليفه؟

ولا شكّ أنّ التأليف يمرّ بمراحل كثيرة, فيها المشقة والتعب والجهد

الكبير, ولولا توفيق الله تعالى, وما يقذفه من حلاوةٍ أثناء التأليف

والقراءة والبحث, التي ينسى المؤلف بسببها الآلام والأتعاب: لَمَا أطاق

الصبر على هذه المشاق في الغالب.

وحينما ينتهي من التأليف تذهب عنه تلك الحلاوة, فيهجم عليه هذا

الشعور, فما يسعه إلا أن يقول: لك الحمد ربي على توفيقك وتيسيرك.

وهذا ليس داخلاً في محضِ إرادته وجهده, فمن الذي قذف في قلبه تلك العزيمة

التي تجعله يصبر على مرّ التأليف والبحث وجرد المطولات والانقطاع؟

ومن الذي عافاه في بدنه وسمعه وبصره؟

ومن الذي عافاه في أهله وأولاده ورزقه؟ ولو ابتلي بالفقر أو مرض الأهل

والأولاد لانشغل بهم ذهنيًّا وبدنيًّا؟

ومن الذي هداه ليتجه إلى تأليف ما هو مفيد, ولم يجعل همّته في تأليف ما

لا نفع فيه, أو ما فيه ضرر ومفسدة, كما هو حال كثير ممن يكتب ويصنف, ولهم

هممٌ أعظم من همّته؟

كلّ هذا من الوهاب الرحيم الكريم جل وعلا, وإنما هو عبد فقير ضعيفٌ جرت

عليه نعم الكريم, فسخَّره لنشر العلم والخير.

وكأنّ الله تعالى يسوقه نحو تأليف هذه الكتب النافعة سوقًا, ويريد منه أن

يكتب ويصنف في هذه العلوم, فلا رخصة له في تأجيل نشر علمِه وكتبِه.

***

الفنّ الثالثُ: العمل بالعلم وتعليمُه, والتأدّب بآدابِه.

كن على يقين - يا طالب العلم - أنّ التوفيق لا يكون حليفك إلا إذا صدقت

مع الله تعالى, وأخلصت العلم له, واجتهدت في عبادتِه سبحانه, وصلاح قلبك,

ونصح المسلمين, وبذلتَ الجهد في الدعوة إلى الله تعالى بما تستطيع.

واعلم بأنّ جلّ القلوب مشحونةٌ بالخبائث والأمراض, وطالب العلم في بداية

طلبه للعلم لا يحس بها؛ لأنه مشغول بالطلب والعلم وحضور الدروس, ولم يجرب

الناس ويُخالطهم ويتصدر لهم ولأذاهم وحاجاتهم, ولم يتعرض للمناصب والشهرة,

وكل غضوب أو حقود أو حسود إذا خلا بنفسه وانشغل بها: لم يظهر منه خبث ما

انطوى عليه قلبُه.

وإذا ما كبر وخالط الناس وتعرض للشهرة, وأقبلت عليه الدنيا, واستشرفت

له الفتن والمناصب: ظهر منه خبث ما انطوى عليه قلبُه منذ عهد الطلب وزمن

الصبا والجهل.

وما أقبح أنْ تظهر هذه الأخلاق الرديئة على من يُشار إليه بالعلم

والجاه!

ولا يليق بك أبدًا أن تسبقك العامةُ إلى الطاعات والفضائل, وإذا سبقتك

فما قيمة العلم الذي تحمله, وما فائدته وما ثمرته؟

سُئل إمام أهل السنة والجماعة, أَحْمَد بن حنبل رحمه الله عَنِ الرجل يكتب

الحديث فيكثر؟

قَالَ: ينبغي أن يكثر العمل به عَلَى قدر زيادته فِي الطلب.

ثم قَالَ: سبيل العلم مثل سبيل المال, إنَّ المال إذا زاد زادت زكاته.

ا.ه[121]

واعلم أنّ العلم يُكسب صاحبه العزّة, والقوة, والرفعة, والحجة, ولذلك سمَّى

الله تعالى الحجة المبْنِيَّة على العلم سلطانًا.

قال ابن القيم رحمه الله: سمَّى الله سُبْحَانَهُ الْحجَّة العلمية سُلْطَانا, كَقَوْلِه

تَعَالَى: {قَالُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي

الأرض إن عنْدكُمْ من سُلْطَان بِهَذَا}.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أم لكم سُلْطَان﴾ يَعْنِي حجَّة وَاضِحَة.

وَالْمَقْصُود: أن الله سُبْحَانَهُ سمى علم الْحجَّة سُلْطَانا؛ لأنها توجب تسلط

صَاحبهَا واقتداره, فَلهُ بهَا سُلْطَان على الْجَاهِلين, بل سُلْطَان الْعلم أعظم من

سُلْطَان الْيَد؛ وَلِهَذَا ينقاد النَّاس للحجة مَالا ينقادون لليد؛ فإنّ الْحجَّة تنقاد

لَهَا الْقُلُوب, وأما الْيَد فَإِنَّمَا ينقاد لَهَا الْبدن, فالحجة تأسر الْقلب, وتقوده,

وتُذِلُّ الْمُخَالف, وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لَهَا, ذليلٌ مقهور تَحت

سلطانها. ا.ه[122]

فمن لم يُلجم سلطان العلم بلجام الإيمان, والتقوى, والورع, والعمل بما

علم: طغى أشد من طغيان سلطان اليد, وتاه صاحبه, وأكثر من التقلّب, والبطر,

والغرور, والبغي, حتى يكون أشدّ تسلطًا من الحاكم الجائر؛ لأنَّ عنده سلطانين:

سلطان العلم وسلطان اليد, بخلاف الحاكم الجاهل.

ولو تمكّن من الحكم لربما سعى في الأرض فسادًا وظلمًا.

والجهل مع التقوى, خيرٌ وأنفع من العلم بلا تقوى, ولذلك تجد كثيرًا من

العُبّاد والصالحين متواضعين, محبين للخير وأهله, ليس فيهم عجب ولا غرور ولا

ازدراء ولا تسلّط, ولا احتقار للآخرين, وهم من عوام الناس.

بخلاف العالم العريّ من التقوى, فتراه إذا سمع موعظةَ واعظ ازدراهُ بلسان

حاله أو مقالِه, ولم تسمح له نفسه بالجلوس لسماع موعظته, ولو جلس لَمَا تأثر

وانتفع, ولو كان الواعظ بليغًا صادقًا.

فاللهم أعذنا من علم بلا عمل وتقوى.

والموفق السعيد في الدنيا والآخرة ينعم بأنسين عظيمين: أنس العبادة,

وأنس التعلّم والتعليم, ومن لم يأنس بهذين: لم يذق طعم الأنس في حياته ولو

ذاق ما ذاق من أصناف الأكل, والتجول في أقطار الأرض, والمتاجرة بالأموال,

وتبوّئ المناصب العالية, وغيرها من المتع الزائلة.

وإليك – أخي طالب العلم – بعض النصائح في باب العمل بالعلم, والدعوة

إلى الله تعالى, والأدب والأخلاق, التي هي من أعظم واجبات طالب العلم.

[121] طبقات الحنابلة (1/ 188)

[122] مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 59)

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ١٣٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ١٣٧