تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16- ((علاقة طالب العلم الصادق مع نفْسِه ومع غيرِه))

لابد لطالب العلم الصادق أن تكون له علاقةٌ وصلةٌ قوية مع نفْسِه ومع غيرِه:

فأول علاقة وأوجبها: علاقتُه مع ربه سبحانه وتعالى:

وإذا استقامت علاقته مع ربه: استقامت علاقته مع نفسه ومع غيره, فمن

أصلح ما بينه وبين الله, أصلح الله ما بينه وبين الناس.

فطالب العلم الصادق: يكون همّه منذ أن يصبح إلى أن يمسي: رضا ربه,

والعمل بما يحب, من صلاة وصيام وقراءةٍ للقرآن وتدبّره, وطلبٍ للعلم ونشره

بمدارستِه مع طلاب العلم, وتذكير الناس ووعظهم وتعليمهم.

وينذر جلّ وقتِه للعبادة وطلب العلم ونشره بكل ما يستطيع, كمواقع

التواصل, والتأليف, والخطب, والكلمات, والدروس, وتربية أهله وأولاده,

والنصيحة لكلّ مسلم, ولا بأس أن يعطي نفسه فسحة في الأسبوع مرة, للخروج مع

الأصدقاء أو الأهل أو الأقارب في نزهة ونحوها.

وما أجمل ما قاله الذهبي رحمه الله: رحم الله امرأً أقبل على شأنه, وقَصَر

من لسانه, وأقبل على تلاوة قرآنه, وبكى على زمانه, وأدمن النظر في

الصحيحين, وعبد الله قبل أنْ يبغته الأجل. ا.ه[38]

واعلم أنّ عقل اللبيب مشغولٌ بأنفس شيء, وعقل الجاهل مشغولٌ بما ليس بشيء.

ولا أنفس من الانشغال بأعظم عظيم جل وعلا, وبعمارة الدار الآخرة

الباقية الخالدة, والمنشغل بالدنيا وحطامها وجمعها, فإنه في الحقيقة مشغولٌ

بما ليس بشيء, وسيحاسب على كلّ شيء!

ثانيًا: علاقته مع نفسه:

طالب العلم الصادق إذا علم عِظَم حقّ ربه عليه, وعلم ما يستحقه: شعر دائمًا

أنه مقصر تقصيرا عظيمًا, وازدرى نفسه, ولن يرى أنه عمل العمل الذي ينبغي,

فلذلك يدعو ربه كثيرًا: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادك, اللهم

عاملني بعفوك وإحسانك وكرمك وجودك.

ويفرح أيما فرح بمن يهدي إليه عيوبه, ويبصره بأخطائه, ويبادر أصدقاءه

وطلابه بذلك, ويرى لهم الفضل في تعديل الكثير من أخلاقه وطباعه.

ولا يجد ما يُكافئهم عليه إلا الدعاء لهم, مع حرصه الشديد على المبادرة

إلى الأخذ بنصائحهم وملحوظاتهم, مع شكرهم على ذلك إذا سنحت الفرصة.

وقد جَعَل من أهمّ أهدافه في الحياة: أنْ يستفيد من كلّ أحدٍ ومن كلّ موقف,

ويرجع بفوائد من نزهاته ورحلاته, ولو كانت في الأصل لنفع الناس في إقامة

دروس أو محاضرات ونحوها, ولا يكاد يرجع دون أن يستفيد دروسًا ينتفع بها في

دينه أو دنياه.

ثالثًا: علاقته مع الناس:

إذا علم طالب العلم قدر نفسِه, وأنها مقصرةٌ ومفرّطة, وعرضة للزلل والخطأ:

تعامل أحسن التعامل مع الناس.

ويقوم بأعظم حقّ عليه بعد حق الله ورسوله عليه, وهو حقّ الوالدين,

فيزورهما ويقضي حوائجهما بقدر استطاعته.

ثم يقوم بحق أهله وأولاده, فيداعبهم ويمازحهم, ويجلس معهم بعض الوقت.

ثم يقوم بحقوق جيرانه, فيزورهم بين الفينة والأخرى في الوقت المناسب,

وسيجد لذلك الأثر الكبير عليه وعليهم.

ثم يقوم بحقوق أصدقائه, "فالصداقةُ لها تبعاتٌ ولوازم كثيرة, وواجباتٌ

صعبة, لا يقوم بحقِّها إلا الأوفياء, وطالب العلم أولى الناس بخلق الوفاء,

فهو يَصْدق صاحبه في النصيحةِ والمحبَّة, ويقف معه عند الضِّيقِ والحاجة, وحالَ

اليُسر والإعسار, وعند الفاقةِ والإقتار, وتشتدّ صداقته ووفاؤه عند الأزمات,

وتقوى عند الْمُلمَّات, وتظهر جليَّةً عند الحاجات".[39]

ويحرص على إدخال السرور على أصحابه بقدر الاستطاعة, ويعطيهم من وقته ما

يعود عليه وعليهم بالنفع.

قال ابن القيم رحمه الله: كلُّ سبب يعود عليك بصلاح قلبك، ووقتك، وحالك

مع الله, فلا تُؤثر به أحدًا، فإنْ آثرت به فإنما تُؤثر الشيطان على الله عز

وجل وأنت لا تعلم. ا.ه[40]

ولا يتردد في تقديم النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولا

يبالي بردود أفعال الناس إذا أدى النصيحة بالرفق والسر, ولا مكان عنده

للمجاملة على حساب دينه وأداء الأمانة التي كلفه بها ربه.

وسيجد نفرةً مِن بعض مَن ينصحهم ويخبرهم بأخطائهم ليصححوها, ولكنه لا

يلتفت إلى شيء مادامت همُّه وغايتُه رضا الله, ولسان حاله:

فليتك تحلو والحياة مريـرة ... وليتك ترضا والأنام غِضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين ... وكـل الذي فـوق التـراب تـراب

وإذا استفاد من أحد أخبره بأنه استفاد منه, ويحرص إذا أفاد أحدًا ألا

يُشعره هو ولا غيره بأنه استفاد منه.

وقد ذكر الذهبي رحمه الله أنّ الخليل بن أحمد رحمه الله كان إذا أفاد

إنساناً شيئاً، لم يُرِهِ بأنه أفاده، وإن استفاد من أحد شيئاً، أراه بأنه

استفاد منه.

قال الذهبي رحمه الله: صار طوائف في زماننا بالعكس.[41]

ويفرح إذا سمع من يثني على أحد من الناس – صغيرا كان أم كبيرًا – على

خيرٍ قدّمه, أو على علمِه أو حسن خطبه أو كرم أخلاقه, ويبادر فيتصل عليه

ويخبره بثناء الناس عليه, ويحبّ أن يرى أصدقاءه وطلابه وغيرهم أحسن وأفضل

وأعلم منه؛ لتعمّ الفائدة, وينتشر دينُ الله.

ويُحبّ الاستفادة من كلّ أحد, والانتفاع بكلّ شيء يُمكنه الانتفاع به في

دينه خاصة, وقد أخذ على نفسه وعدًا ألا يسمع ولا يقرأ شيئًا ينفعه في دينه

إلا بادر بالعمل به.

وسيكون هذا الأمر شاقًّا عليه في بداية الأمر, ولكن بتوفيق الله له, ثم

بصبره وعدم تراجعه عما عزم عليه سيسهل عليه الأمر بعد ذلك.

وسيجد لهذا ثمارًا كثيرة منها:

الثمرة الأولى: حبّ وتقبل النقد النافع, والفرح بذلك.

الثمرة الثانية: سهولة تغيير طباعه, وعاداته, وعباداته, وأخلاقه, وأداء

وأسلوب كلامه وحديثه, إلى الأفضل والأحسن.

والله تعالى نثر المواهب بين الخَلْق ليظلُّوا ملتحمين ومترابطين؛ لحاجة

بعضهم إلى بعض, وليس هناك أحدٌ كاملٌ في علمه وأخلاقه ومواهبه, فهو بحاجة

إلى غيره, فلا يتردد في الاستفادة من الآخرين, واحتمال الأذى منهم؛ لِمَا

يرجو من الثواب عند الله, ولِمَا عندهم من المنافع التي لو فرط فيهم – لأجل

أذاهم – لخسر خيرًا عظيمًا.

وينشغل بعيوبه عن عيوب الناس, وقد قال بعض السَّلف: أدركتُ قوماً لم

يكن لهم عيوبٌ، فذكروا عيوبَ الناس، فذكر الناسُ لهم عيوباً، وأدركتُ

أقواماً كانت لهم عيوبٌ، فكفُّوا عن عُيوب الناس، فنُسِيَت عيوبهم.

ومما يُرثى له: حال بعض من ينتسب للعلم في هذا الزمان, الذي انشغل

بتتبع عيوب الدعاة إلى الله من العلماء والمصلحين, وتغافل عن

حسناتهم, وتقلّد منصب الجرح والتعديل, ولا يكاد أحدٌ يسلم منه, عافانا

الله من ذلك, وأشغلنا بأنفسنا وعيوبنا عن عيوب إخواننا المسلمين.

وما أجمل ما قال ابن الجوزي رحمه الله عن هؤلاء: مِن تلبيس إبليس

عَلَى أصحاب الحديث قدح بعضهم فِي بعض؛ طلبًا للتشفي, ويخرجون ذلك مخرج

الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة للذب عَن الشرع, وَاللَّه

أعلم بالمقاصد. ا.ه[42]

ويصدق في حقّ هؤلاء قول ابن القيم رحمه الله: ومِنَ النَّاسِ منْ طَبعُهُ

طَبْعُ خِنْزيرٍ, يَمُرُّ بالطَّيِّباتِ فلَا يَلْوِي علَيْها، فإذا قامَ الْإنْسانُ عنْ رَجِيعِهِ

قمَّهُ، وهكَذا كثِيرٌ مِنَ النَّاسِ, يَسْمعُ مِنْكَ ويَرَى مِنَ الْمَحاسِنِ أضْعافَ أضْعافِ

الْمَساوِئِ فَلَا يَحْفَظُهَا ولَا يَنْقُلُهَا ولَا تُناسِبُهُ، فإذَا رأى سَقْطةً أوْ كَلِمةً

عَوْراءَ وجدَ بُغْيتَهُ ومَا يُناسِبُهَا فَجَعلَها فاكِهَتَهُ ونُقْلَهُ. ا.ه[43]

وعاقبة من هذه حاله لا تُحمد في الدنيا والآخرة, وقد ترجم الحافظ

ابن حجر رحمه الله لأحد علماء وقضاة الشافعية, وذكر بعض آثاره

العلمية وقال: شرح التَّنْبِيه فِي نَحْو من عشْرين مجلدا, ودرس وَأفْتى وَكَثُرت

طلبته بِبِلَاد الْيمن واشتهر ذكره وَبعد صيته.

قال: أَخْبرنِي الْجمال الْمصْرِيّ مُحَمَّد بن أبي بكر أَنه شَاهده عِنْد وَفَاته

وَقد اندلع لِسَانه وأسودّ, فَكَانُوا يرَوْنَ أَن ذَلِك بِسَبَب كَثْرَة وقيعته في

الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى. ا.ه[44]

وغالب من يفعل ذلك يكون فيه من العجب والكبر والتيه ما الله به

عليه, ولذلك كثرت أقاويل السلف الصالح في التحذير من هذا الخلق

الذميم الرديء, قال بلال بن سعد رحمه الله: ذِكْرُك حسناتِك ونِسيانُك

سيِّئَاتك غِرّة.

وقال عون بن عبد الله رحمه الله: ما أحسب أحداً تفرغ لعيب الناس

إلا من غفلة غفلها عن نفسه.

وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ

إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.

قال بعض أهل العلم: "تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ اشْتِغَالَ الْإِنْسَانِ بِخَاصَّةِ نَفْسِهِ، وتركه

التعرض لمعايب النَّاسِ، وَالْبَحْثَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ حَالِهِ, فَلَا

يَسْأَلْ عَنْ حَالِهِمْ". ا.ه[45]

رابعًا: علاقته مع الدنيا:

يجاهد نفسه ويربيها على عدم التعلّق بالدنيا, "ولا يتأسف على ما يفوته

مما سوى الله عزّ وجلّ, ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله تعالى

وطاعته, فيكثر رجوعه عند الغفلات بالاستعطاف والتوبة".[46]

ولو أصابته مصيبة: لا يعظم عليه الأمر ما دام أن الله أبقى له دينه,

فكل المصائب تهون إلا مصيبة الدين.

وأضرب لذلك مثلا : لو أن رجلاً – لا قدر الله - جاءه خبر أنَّ بيتَه

أصابته صاعقةٌ فانهدم, وفيه أبناؤه وأهله, لطاش عقله, واضطرب قلبه, وارتعشت

أطرافه؛ خوفاً على أولاده وأهله, وإذا علم أنَّ أهله قد نجوا سجد لله شكراً,

مع أنَّ بيته وماله كله قد احترق, لكن لما سلم أغلى شيء عنده في الدنيا هان

الباقي, ولا أغلى من الدين شيء.

ويربي نفسه على ألا يحزن على ما فاته منها؛ ليقينه بأنه لن يأتيه منها

إلا ما كُتب له فيها, ولو ملك فيها ما ملكه قارون فمصيره الزوال, وليت

الأمر يقتصر على ذلك, بل إنه سيحاسب على أملاكه وأمواله, قال يحيى بن معاذ

رحمه الله: مصيبتان لم يسمع الأوّلون والآخرون بمثلهما في ماله عند موته،

قيل: ما هما؟ قال: يُؤْخَذُ منه كلُّه ويُسْأَل عنه كله.[47]

مع بذله الأسباب المشروعة لكسب الرزق, حتى لا يذلّ نفسه بسؤال الناس,

فيكون عالةً على غيره.

خامسًا: علاقته مع وقته:

يقوم بأداء أعماله اليومية, التي يسير عليها وفق خطة مدروسة ومنهج محكم

مُعدّ مسبقًا, ويشمل ذلك: الوظيفة - إن كان موظّفًا -, والعبادات, والقراءة,

والبحث, ونشر العلم بمختلف الوسائل: كالدروس والكلمات ومواقع التواصل

وتربية أولاده, فإذا أمسى وقد أنهى ذلك حمد الله تعالى, ولا يفكر في

المستقبل ما دام قد فعل الأسباب الحاضرة, ولا يتحسر على ما فاته؛ لأنه ليس

في يده, ولم يفرط فيه حتى يندم عليه.

سادسًا: علاقته مع شيخه:

يراعي حقوق شيخه, وذلك بقيامه بما يلي:

1- يجلّه ويحترمه, ويسعى في خدمته, ويرى له الفضل.

2- يصبر على حضور مجالسه للاستفادة منه في بداية الطلب خاصة, ولا يتركه

لجفاء أخلاقه وفظاظته وقسوته وحدّته, إذا لم يجد من يقوم مقامه من المشايخ,

ويمرن نفسه على الصبر على ما يلقاه من قسوة وحدّة إن وُجدت منه, فهو بشر,

يعتريه ما يعتري غيره, ولو ترك العلم لأجل جفاء أخلاق شيخه لَمَا تعلّم, ولا

كان أهلا للعلم والرسوخ فيه.

ومن لم يصبر على سوء خلق من فوقه, فحريٌّ ألا يصبر على سوء خلق من هو

أقلّ منه, كأولاده وطلابه وعامة الناس.

3- يصله إذا كان بعيدًا عنه لأجل عمله أو لغير ذلك من الأمور, ويُشعره

بأنه لم يزل طالبًا, ولا يستغني عن نصائحه وتوجيهاته.

4- لا يفتي – إذا تمكّن من العلم - علنًا في البلد الذي فيه, إلا عند

الحاجة إليه, وبعد طلب شيخه منه, أو استئذانه منه؛ فإنّ ذلك من كمال الأدب,

وديباجِ المروءة, وشعاع الوفاء.

5- لا يجد حرجًا أن يُخالف شيخه فيما يراه صوابًا بعد أن يرسخ في العلم.

وإذا تحقق خطأ شيخه: بيّن له الخطأ بانفرادٍ وبأسلوب استفسار مهذّب, وإذا

أصرّ الشيخ على الخطأ ردّه بلا تحرّج, وخاصة إذا كان الخطأ في باب الاعتقاد,

فإنه آكد, ولا يسعه السكوتُ, أو إقراره على ذلك.

قال ابن العربي رحمه الله: إن معلمي - يقصد شيخه أبا حامد الغزالي -

كان فحلاً من فحولهم وعظيماً من عظمائهم، وتالله إني كنت محتشماً له غير راض

عنه، وقد رددت عليه فيما أمكن. ا.ه[48]

هذا هو منهج أهل العلم, حيث يتَّبعون الحق, ويأخذون به, ويردون الباطل

ولو أتى من أحبّ الناس إليهم.

سابعًا: علاقته مع طلابه:

يراعي حقوق طلابه, وذلك بقيامه بما يلي:

1- يظهر لهم مشاعره تجاههم وحبه لهم, وشكره لهم على حرصهم واجتهادهم.

2- يتفقد مَن غاب منهم, فيتصّل به, أو يُراسله, أو يزورُه.

قال أحد طلاب العلم: غاب مرةً أحدُ الطلاب الذين يحضرون في أحد دروسي,

فأرسلت له أحثه على الحضور, فحضر الدرس وقال لي: لم أعزم على الحضور حياءً

منك, حيث إني تخلفت بعض الدروس, فاستحييت أن أحضر بعد تخلفي, ولكن حينما

رأيت رسالتك انشرح صدري فحضرت.

فانظر كيف تأثَّر بالاهتمام به, والسؤال عنه, وأدى به ذلك إلى العودة

للدروس

3- يحرص على تفقد حاجاتهم العلمية والماديّة, فمن شعر أنه محتاج مثلا

سعى في قضاء حاجته.

4- يحثهم على الجدّ والاجتهاد في طلب العلم والقراءة, ويقترح عليهم كتبا

يقرؤونها ثم يعرضون عليه ما يُشكل عليهم خلال قراءتهم, وقد جرب ذلك كثير من

المشايخ, فوجدوا لذلك الأثر الكبير في زيادةِ همم طلابهم, وتحصيلهم العلمي.

5- يُعاملهم بالحلم والرفق, ويخاطبهم بكل لطف ولين, ولا يقسو على من

أخطأ منهم وخالف بعض الأدب من غير عمد, ولا يُسمعهم كلامًا قاسيًا, ولا

عتابًا, ولا لومًا؛ لأنه يعتبر طلابه مغنمًا ومكسبًا كبيرًا له.

ويُشعرهم أنّ لهم فضلاً عليه؛ حيث كانوا سببًا في إقامةِ الدروس.

وتالله لن يُنْقص ذلك من قدره, بل سيرتفع في عيونهم, ويعظم قدره عندهم.

واللطف مع الطلاب من أعظم أسباب حبهم للشيخ وللعلم ولما يقوله الشيخ,

وقد جاء في طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي (المتوفى:

771هـ)[49]: كنت كثير الْمُلَازمَة للذهبي, أمضي إِلَيْهِ فِي كل يَوْم مرَّتَيْنِ بكرَةً

وَالْعصر, وَأما الْمزي فَمَا كنت أمضي إِلَيْهِ غير مرَّتَيْنِ فِي الْأُسْبُوع, وَكَانَ سَبَب ذَلِك

أَن الذَّهَبِيّ كَانَ كثير الملاطفة لي, والمحبة فِيّ, وَكنت أَنا شَابًّا, فَيَقَع ذَلِك مني

موقعا عَظِيما, وَأما الْمزي فَكَانَ رجلاً عبوسًا مهيبًا. ا.ه

6- لا يتوقف عن درس بدأ به, ولو لم يحضر إلا طالب واحد, ولا يحزن إذا

لم يأت إلا هو, فليست العبرة بالكثرة, ولكن العبرة بالصدق والبركة.

8- يسعى أن يكونوا أحسن منه, ويحبّ ذلك, وهذا دليل على كمال الإيمان

وسلامة الصدر, وقد قال النَّبِيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى

يُحِبَّ لأِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".[50]

قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: معنى الحديث : أنَّ الموصوفَ بالإيمانِ

الكامل : مَنْ كان في معاملته للناس ناصحًا لهم ، مريدًا لهم ما يريده لنفسه ،

وكارهًا لهم ما يكرهه لنفسه ، ويتضمَّنُ أن يفضِّلهم على نفسه ؛ لأنَّ كلَّ أحد يُحِبُّ

أن يكونَ أفضَلَ من غيره ، فإذا أحَبَّ لغيره ما يحبُّ لنفسه ، فقد أَحَبَّ أن يكونَ

غيره أفضَلَ منه. ا.ه[51]

قال النَّبِيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ

الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي

يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ".[52]

قال العلامة السعدي رحمه الله: لا شك أن من زحزح عن النار وأدخل الجنة

فقد فاز، وأن هذه غاية يسعى إليها جميع المؤمنين, فذكر النبي صلّى الله

عليه وسلم في هذا الحديث لها سببين، ترجع إليهما جميع الشعب والفروع:

1- الإيمان بالله واليوم الآخر، المتضمن للإيمان بالأصول التي ذكرها

الله بقوله: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ﴾ - الآية [البقرة:136] , ومتضمن للعمل

للآخرة والاستعداد لها؛ لأن الإيمان الصحيح يقتضي ذلك ويستلزمه.

2- والإحسان إلى الناس، وأن يصل إليهم منه من القول والفعل والمال

والمعاملة ما يحب أن يعاملوه به.

فهذا هو الميزان الصحيح للإحسان وللنصح، فكل أمر أشكل عليك مما تعامل

به الناس فانظر: هل تحب أن يعاملوك بتلك المعاملة أم لا؟

فإن كنت تحب ذلك: كنت محباً لهم ما تحب لنفسك.

وإن كنت لا تحب أن يعاملوك بتلك المعاملة: فقد ضيعت هذا الواجب

العظيم.

فالجملة الأولى: فيها القيام بحق الله.

والجملة الثانية: فيها القيام بحق الخلق. ا.ه[53]

ويكون لمّاحًا, فإذا رأى من أحدهم موهبة سعى بكلّ جهده إلى لفت نظره

إليها, وتنميتها, ومساعدته في ذلك.

قال العلامة ابْنُ بَادِيسَ رحمه الله: أغلب المعلمين لا يتصلون بتلامذتهم

إلا اتصالاً عاماً لا يتجاوز أوقات التعليم, فيتخرج التلامذة في العلوم

والفنون ولكن بدون تلك الروح الخاصة التي ينفخها المعلم في تلميذه - إذا

كانت للمعلم روح-, ويكون لها الأثر البارز في أعماله العلمية في سائر

حياته.

فعلى المعلم الذي يريد أن يكون من تلامذته رجالاً أن يشعرهم - واحداً

واحداً- أنه متصل بكل واحد منهم اتصالاً خاصاً, زيادة على الاتصال العام, وأن

يصدق لهم هذا بعنايته خارج الدرس بكل واحد منهم عناية خاصة في سائر نواحي

حياته, حتى يشعر كل واحد منهم أنه في طور تربية وتعليم في كفالة أب روحي

يعطف عليه ويعتني به مثل أبيه أو أكثر. ا.ه[54]

ثامنًا: علاقته مع العلم:

له علاقةٌ وطيدةٌ, وصلةٌ قويّة مع العلم والكتب, ومن ذلك:

1- ينشغل بالعلوم التي ينتفع بها في دينه وصلاح قلبه, ولا يسعه جهلُه,

ويتقن الأهم والأولى, ثم إذا فرغ بعد ذلك التفت إلى فضول العلم, "والعلم

لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا تستقصى أصوله، ولا

تنضبط أجزاؤه، فإن كان الأمر كذلك فابدأ بالأهمّ فالأهم، والأوكد فالأوكد،

وبالفرض قبل النّفل.

وقد قال بعض الحكماء: لست أطلب العلم طمعا في غايته والوقوف على

نهايته، ولكن التماس ما لا يسع جهله".[55]

2- يبادر – بقدر الإمكان – إلى العمل بما علم؛ ليقينه أنّ العمل ثمرةُ

العلم, وإذا لم يُعمل به فهو حجةٌ على صاحبِه.

والعمل بالعلم من أعظم أسباب رسوخه وبركته ونمائه, جاء في العقد

الفريد[56]: والعلم علمان: علم حُمِل، وعلم استُعْمل؛ فما حُمِل منه ضرّ، وما

استُعْمل نفع.

فقليل العلم يستعمله العقل خيرٌ من كثيره يحفظه القلب.

قيل للمهلب بن أبي صفرة رحمه الله[57]: بم أدركت ما أدركت؟

قال: بالعلم.

قيل له: فإنّ غيرك قد علم أكثر مما علمت ولم يدرك ما أدركت.

قال: ذلك علم حُمل وهذا علم استُعمل. ا.ه

وإنك ترى من رفعه الله وانتفع الناس به وظهر أثرُه: إنما هو بسبب

استعماله لِمَا علم, لا بسبب كثرة حفظه وسعةِ اطّلاعِه.

3- يحرص – بقدر الإمكان – على أن ينتفع به غيره كما انتفع هو به, فلا

يدع مجالا لنشره إلا فعل.

وكن على يقين أنّ كلّ علمٍ أدَّيت زكاته, رسخ في القلب ودرَّت بركاتُه.

وما من كاتب إلّا ستبقى ... كتابتُه وإنْ فنيت يداه

فلا تكتب بكفّك غير شيء ... يسرّك في القيامة أن تراه

ومن أعظم أسباب محق بركة العلم كتمه عن أهله, والتأخر في نشره, وقد أخذ

الله تعالى العهد على أهل الكتاب من قبلنا أن يبينوا ويعلّموا, قال تعالى:

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ

وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}.

قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ رحمهما الله: هِيَ فِي كل من أوتي علم شيء مِنَ الْكِتَابِ,

فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ.

وَقَالَ بعض السلف: لَا يَحِلُّ لِعَالِمٍ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى عِلْمِهِ، وَلَا لِلْجَاهِلِ أَنْ يَسْكُتَ

عَلَى جَهْلِهِ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾

الآية, وقال: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.[58]

فالعلم الشرعي أمانة في عنق كلّ مسلم, فالعالِم يجب عليه أنّ ينشره,

والجاهل يجب عليه أنّ يتعلّمه ويسأل أهله.

ولا يجوز للعالم أنّ يمنّ على تعليمه أو يشعر باستعلاء على السائل

والطالب؛ فبذله للعلم واجب عليه لا منّة له بذلك, وكما أنّ للمال زكاة,

فللعلم زكاة كذلك, ولا ينبغي لطالب العلم والسائل أن يجد حرجًا في سؤاله

للعالم, فهذا حقّ له على أهل العلم, ولا يغفل عن اختيار الوقت المناسب,

والأسلوب الأمثل عند السؤال بقدر الاستطاعة.

4- لا يسمح لوقته أن يضيع بلا فائدة تعود عليه بالنفع, ويستثمر الأوقات

القصيرة كاستثماره الأوقات الطويلة, كالوقت الذي يكون قبيل الطعام, وأوقات

العمل, وما بين العشاءين, وإذا كان الوقتُ أقصرَ مِن أنْ يستثمره, أو كان في

مكان لا يسمح بالقراءة اشتغل بالذكر أو الحديث مع من يدخل السرور في قلبه

كالأهل والأقارب, راجيًا من ربه أن يكتب له بذلك أجرًا وثوابًا.

وقد نذر جلّ وقته للعلم والعمل به والدعوة إلى الله والتعليم بقدر

الإمكان, ويسأل الله أن يعفو عن تقصيره الكبير.

ومَن هذه حاله: سيجد – بعون الله تعالى - في طلب العلم والقراءة من

اللذة والسرور ما لا يخطر على بال, ومن اللطائف ما ذكره ابن القيم رحمه

الله أنّ أهل الجنة – جعلنا الله منهم - يتذاكرون ما كان بينهم من أمور

الدنيا, "فتذاكُرُهم فيما كان يُشْكِل عليهم في الدنيا من مسائل العلم وفهم

القرآن والسنة وصحة الأحاديث أولى وأحرى؛ فإنَّ المذاكرة في الدنيا في ذلك

ألذُّ من الطعام والشراب والجماع!!

وهذه لذةٌ يختصُّ بها أهلُ العلم, ويتميزون بها على مَن عداهم".[59]

فالعلم بالنسبة له كالماء بالنسبة للسمكة, لا عيش ولا حياة له بدونه,

فهو الذي – بعد توفيق الله – بصَّره من العمى, وهداه من الضلالة, وأخذ بيده

إلى الصراط المستقيم, وعرف به عيوبه, وأوقفه على سوء طِباعِه, فاشتغل

بتصحيحها عن عيوب غيره, وأخرجه من مستنقع الدنيا الدنيئة إلى رحاب الآخرة,

ومن عنايته بجسده إلى عنايته بروحه, ومن الاشتغال بمستقبله المحدود القصير

إلى الاشتغال بمستقبله الذي لا نهاية له.

ولذلك تجد العلماء الربانيين قد نذروا كلّ حياتهم في العلم والعمل به

وتعليمه, وأفنوا أعمارهم في البحث وطلب العلم, والأمثلة على ذلك كثيرة,

منها ما جاء في كتاب تاج العروس[60] ولِسَان الْعَرَب[61]: وَمِمَّا جَاءَ فِيهِ أَفْعَل

فَهُوَ مُفْعَلٌ: أَسْهَبَ فَهُوَ مُسَهَبٌ، وأَلْفَجَ فَهُوَ مُلْفَجٌ، وأَحْصَنَ فَهُوَ مُحْصَنٌ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَة

جَاءَت بالفَتْح..

وَقَالَ ثعْلَب: ووجدْتُ بعد سَبْعِين سَنَةً حَرْفاً رَابِعاً وهُوَ: أجْرَشَتِ الإِبِلُ: سَمِنَت فَهِيَ

مُجْرَشَةٌ.

وفيه[62]: قال ابنُ خَالَوَيْه: وَجَدْتُ هذِه اللَّفْظَة - يَعْنِي فَهِيَ مُجْرَأَشَّة - بعدَ

سَبْعينَ سَنَةً، قَالَ الصّاغَانِيّ: وأَنا وَجَدْتُ هذِه اللَّفْظَةَ بعدَ سَبْعِينَ سَنةً، وَالْحَمْد للهِ

على طُولِ الأَعْمارِ، وتَرَدُّدِ الآثارِ، ومُصَاحَبَة الأَخْيَارِ، ومُجَانَبَةِ الأَشْرارِ،

والإِكثارِ من الازْدِياد، والحَجّ والاعْتِمَار، جَعَلني اللهُ تَعَالَى من أَوليائه

الأَبْرَار، المستغفرين بالأسحار، الذَّاكِرِينَ الله بالعَشي والإِبْكار. ا.ه

***

[38] تذكرة الحفاظ للذهبي (2/ 86)

[39] حُقُوقُ الصَّدِيْقِ وكَيْفَ تَتَعَامَلُ مَعَه, للمؤلف: 6 , 11

[40] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 284)

[41] تهذيب سير أعلام النبلاء2/713

[42] تلبيس إبليس (ص: 128)

[43] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 406)

[44] الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (5/ 234).

[45] تفسير القرطبي 8/252

[46] إحياء علوم الدين (4/ 333).

[47] حياة السلف بين القول والعمل (ص: 754)

[48] قانون التأويل (ص: 560)

[49] 10/398

[50] رواه البخاري (13), ومسلم (45).

[51] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 1/ 227

[52] رواه مسلم (1844).

[53] بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 206).

[54] آثار ابن باديس (4/ 202)

[55] العقد الفريد: 2/77

[56] (2/77).

[57] هُوَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ, أَحَدُ أَشْرَافِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَوُجُوهِهِمْ وَدُهَاتِهِمْ وَأَجْوَادِهِمْ وَكُرَمَائِهِمْ، وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ. وَقَدْ غَزَا فِي أيَّام مُعَاوِيَةَ أَرْضَ الْهِنْدِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَوَلِيَ الْجَزِيرَةِ لِابْنِ الزُّبَيْرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، ثُمَّ وَلِيَ حَرْبَ الْخَوَارِجِ أَوَّلَ دَوْلَةِ الْحَجَّاجِ. وَكَانَ فَاضِلًا شُجَاعًا كَرِيمًا وَلَهُ كَلَامٌ حَسَنٌ. تُوُفِّيَ غَازِيًا سَنَة ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ بمرو الروذ وعُمْره ست وَسَبْعُونَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ. وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ وَلَهُ مَوَاقِفُ حَمِيدَةٌ، وَغَزَوَاتٌ مَشْهُورَةٌ فِي التُّرْكِ وَالْأَزَارِقَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَوَارِجِ. [البداية والنهاية لابن كثير: 9/ 52].

[58] تفسير القرطبي 5/458

[59] حادي الأرواح: 285

[60] 3/ 79

[61] 2/ 358

[62] 17/ 102

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ٤٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ٤٧