تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6- ((الشيطان قد يجد مدخلاً على المؤلف والمتكلم))

الشيطان الرجيم قد يجد مدخلاً على المؤلف حينما يرى مؤلفاته تُباع

ويتسابق الناس إلى اقتنائها, وقد يجد أيضًا مدخلاً على المتكلم حينما يرى

الوجوه تنصرف إليه, ويرغب الناسُ في سماع حديثه, فربما أصابه الغرور من حيث

لا يشعر.

فعليه بملازمة التضرع إلى الله تعالى والافتقار إليه, وعدم الاغترار

بثناء الناس.

قال أحد طلاب العلم: وصلت إليّ يومًا مجموعةٌ من كتبي, وقد كنت في شوق

عظيم لها, فجعلت أقلِّبها كما يقلب الفقير المديون ظرفًا فيه مليون ريال هدية

من ملك أو أمير له, لا يكاد يصدق ما بين يديه.

ومكثت قرابة نصف ساعة وأن أقلِّبُها وأتصفحها, وأمتع عينيّ بالنظر إليها,

ثم أخذتها وجعلتها في الرفّ الذي على يمين طاولتي, بجانب كتبي الأخرى, وقد

بلغت ثمانية عشر كتابًا, وقد أخذت السعادة والفرحة فيّ كل مأخذ, وطار النوم

عني, وقلت في نفسي:

كلّ هذه الكتب لي؟

كلها كتبتها وألفتها؟

كيف تمكنت من ذلك؟

كيف قدرتُ على تصنيف أكثر من فنّ؟

هل صنفت هذه الكتب لكثرة علمي وحدة ذكائي وهمتي وعزيمتي؟

هل أنا أفضل من الكثير من طلاب العلم من أقراني ومن سبقني بسبب كثرة

مؤلفاتي؟

فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم, والْتجأت إلى الله الرحمن الرحيم,

وأجبت عن ذلك: بأنّ الفضل لله, وليس لذكائي ولا لعلمي, ولست أكثر علما من

أقراني وزملائي, وكم ممن لم يكتب كتابا واحدا هو أعلم وأفضل عند الله مني.

ا.ه

"وليس ما أعطاه الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من السؤدد والفضل

يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله, بل بتفضيل الله إياه

واختصاصه له".[133]

وهذا عمر الفاروق رضي الله عنه الذي هو من هو! يدخل عليه عبدالله بن

عباس رضي الله عنهما وهو يتألم من تلك الطعنات التي طعنها المجوسي أبو

لؤلؤة المجوسيّ - عليه من الله ما يستحق - في جسده الطاهر, فَقَالَ لَهُ وهو

يُحاول أن يواسيه ويزيل جزعه: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ

صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ

صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ.

فقَالَ عمر: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِضَاهُ،

فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ

وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ».[134]

فلم ينسب الفضل لنفسه, وهكذا الواجب على كلّ من منّ الله عليه بالعلم أو

الجهاد أو العبادة ألا ينسب لنفسه الجهد والجد والفضل, بل ينسب ذلك إلى

الله وحده, ويذكر أن الله تعالى يسر له الأسباب من الجد والحرص ونحو ذلك.

وطالب العالم الصادق – جعلنا الله كذلك - تتصاغر نفسُه عنده حينما يرى

ثمار أعماله, ونتائج جهوده: من الكتب, أو الدروس, أو الثناء الحسن؛ لأنه

على يقين أنّ هذا ليس من جهدِه, ولا من ذكائه, ولا من همَّتِه, بل هو محض فضل

من الكريم الوهاب, ولم يهب له ربُّه هذا العطاء من بين كثير من الناس إلا

ليبلوه أيشكر أم يكفر, وشكر الله على هذه النعمة العظيمة الجليلة أمرٌ ليس

بالهيّن.

نسأل الله تعالى أنْ يُعِيْنَنا على شُكْر نِعَمِه التي نتقلَّب بها.

***

[133] تفسير القرطبي (4/ 254)

[134] رواه البخاري: 3416, 3700

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ١٥٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ١٥٣