تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالمغفرة لا تكون تصنعاً ، لكن أساسها العلم ، وأساسها الكمال ، فكما أن الطبيب حينما يأتيه مريض مصاب بمرض جلدي مزعج هل يحقد عليه ؟ لا بالعكس يرثي لحاله ، يرجو له الشفاء ، ينصحه ، فكلما رأيت نفسك فوق الحقد ، وفوق الانتقام ، وفوق الشعور أن هذا ند لك ، كلما كنت بهذه الحالة فأنت أعلى عند الله ، وأنت أكرم عند الله ، وكلما رأيت الكافر نداً لك وأردت أن تنتقم منه فأنت في مستواه ، لذلك الأنبياء جاءوا بهذه الدعوة العظيمة ، والنبي عليه الصلاة والسلام على رأسهم جاء بهذه الدعوة، لو أنه يرى المعارضين والكفار والمشركين ، يراهم نداً له لما كان نبياً عليهم ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان كالأب الرحيم ، كالأم الرؤوم يرى أخطاء الناس يمتصها ، يتجاوزها ، وكل إنسان أراد هداية الخلق ينبغي أن يتجاوز عن أخطائهم ، فكما قال أحد الخلفاء : " يا بنيَّ من عفا ساد ، ومن حَلُم عَظُم ، ومن تجاوز استمال إليه القلوب " ، على كلٍ في أيام الله ..

إنسان عنده صندوق حديد ، أي شيء يضعه في هذا الصندوق هو له ، لو وضع قطعًا ذهبية له ، لو وضع قطعًا معدنية له ، ولو وضع موادًا سامة له ، كله له ..

فالإنسان إذا آمن باليوم الآخر ، آمن بالجزاء ، آمن بعدالة الله عزَّ وجل ، لا يمكن أن يتجاوز الحدود ، لأنه يعلم علم اليقين أن كل شيءٍ له عند الله حسابٌ دقيق .. " إن لكل حسنةٍ ثواباً وإن لكل سيئةٍ عقاباً " .

أيها الأخوة الكرام ... يقول الله عزَّ وجل بعد هذه الآية :

أجمل ما في الآية اللام وعلى ..

هذه اللام لام المُلك ، أي هذا يعود عليه بالخير ، هذا له ، هذا سينفعه يوم القيامة ، هذا سينير له الطريق ، سيكون في قبره مصباحاً وضاءً .

كأن الله عزَّ وجل شَبَّهَ الإساءة بصخرة كبيرة تسحقه ، عليها ، هو تحت وطأة إساءته ، وشبَّه العمل الصالح ، بشيء ثمين ، قطعة ماس ثمنها ملايين ، سبائك ذهبية ، ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٧٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٧٦٠