تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن حينما بلغتهم دعوة السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، وقعوا في صِراع داخلي ، بين الحق والباطل ، بين الخير والشر ، بين أن يقفوا مع عقولهم ، وبين أن يقفوا مع شهواتهم ، بين المبدأ والمصلحة ، وبين القيم والحاجات ، نشأ هذا الصراع العنيف في نفوسهم أولاً ثم انعكس على مواقفهم ، وعقيدتهم ، وتصرفاتهم ، لذلك شعروا أنهم غرباء عن هذا المجتمع ، ماذا يفعلون ؟ إما أن يعتقدوا عقيدة صحيحة مع الموت ، وإما أن يحيوا مع الفساد في العقيدة ، إنه خيار صعب ، ولا مكان لموقف ثالث ، إما أن يماشوا ، ويواكبوا ، ويوافقوا هذا التيار المنحرف تيار الفسق والفجور ، والمجون ، والعقيدة الوثنية في عهد الرومان قبل انتشار دعوة السيد المسيح ، وإما أن يقفوا مع الحق الذي آمنوا به وعرفوه ، ويدفعوا ثمنه ثمناً باهظاً جداً ،و الأمر لا يحتمل حالة ثالثة ، فإما أن يكونوا مع الحق ولا حياة مع الحق ، وإما أن يكونوا مع الباطل حيث البحبوحة والحياة الرغيدة . هذا تمهيد للحالة النفسية وللبيئة التي عاش فيها أصحاب الكهف قبل أن يأووا إلى كهفهم .

حينما يلتجئ الإنسان إلى الله عز وجل ، ويلوذ به ويحتمي بِحِماه ، ويستظل بظله ، حيث لا ظل إلا ظله وحينما يخلص له ، ويستقيم على أمره ، ويحبه ، ويحتمي به ، فقد مَلَكَ كُلَّ شيء .

ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فِتُكَ فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء .

لا يعرف مضمون هذه الكلمات ، ولا الشعور بها إلا من ذاقها وإذا تجلى الله عز وجل على قلب المؤمن ، شعر أنه مَلَكَ كُلَّ شيء ، ولذلك قال أحد العارفين بالله ؛ وهو أبو يزيد البسطاني : " والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف ". " وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا "

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٩٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٩٨٧