لنقد كلام البشر؟
هل يستطيع مسلم جريء أو متهور ألا يفرق بين كتاب الله وبين أي كتاب
أدبي آخر، وإن كان ككتاب ألف ليلة وليلة، أو جريدة العجائب مثلا؟
أم هل يستطيع كافر بالله وكتابه ورسوله وقد أوتي حظا من بلاغة اللغة أو
نصيبا من أدب النفس وعلم الأخلاق، أو خلاقا من علم الاجتماع وفلسفة التاريخ،
ألا يفرق بين القرآن العظيم الحكيم، وبين أي كتاب آخر؟
أم هل يصدق من يدعي عدم التفرقة في قوله، وقد اقتصر في نقده على
الطعن، وأسرف فيه حتى أربى على أولئك الأعداء الطعانين بما لا يعقل أنه يعتقده،
وهو ما يرى القارئ بيانه في هذا النقض؟
ألا إن من وراء المعقول أن يكون هذا من النقد النزيه، الذي يعبرون عنه
بالبريء فما سببه إذا وما الداعي إليه؟
الفرق بين السور المكية والمدنية
من هذه المطاعن ما سببه الجهل بالمكي والمدني من السور، ومنها ما منشؤه
الجهل بما يدرك منها بالسمع والبصر كالذي زعمه في قصر الآيات في القسم المكي،
وطولها في القسم المدني، وهو ما ذكره علماؤنا ولم يبينوا سببه، ونحن نبينه هنا
بالإيجاز فنقول:
إن طول الآيات وقصرها منوط بموضوعها، ولا دخل فيه لمكان نزولها،
فالآيات أو السور التي يراد بها الوعظ والزجر يحسن فيها أن تكون أقصر من آيات
الأحكام، وهي تكثر في القسم المكي؛ لأنه هو المناسب لحال المخاطبين، من
المشركين المعاندين، كما تكثر الأحكام التفصيلية في السور المدنية؛ لأن الخطاب
بها للمؤمنين المكلفين، على أن الآيات الطويلة التي قال: (إن الآية الواحدة منها
تزيد على عدة سور بتمامها من القسم المكي) قليلة جدا، بل لا تظهر تمام الظهور
إلا في آية الأحكام المالية من الدين والرهن وكتابتها والاستشهاد عليها من سورة
البقرة، فهي أطول آية في القرآن تبلغ في المصاحف المطبوعة اثني عشر سطرا،
وهي تزيد على عدة سور من صغار المفصل التي تتلى في الصلوات القصيرة
مكيها ومدنيها، فسورة النصر منها مدنية، وهي سطران فقط، وسورة الزلزلة
مدنية وهي أربعة أسطر، ومثلها سورة العاديات والمعوذتين، وكذا العصر في قول
وهي سطر واحد.
وآيات الأحكام التي قلما تبلغ نصف تلك الآية الطولى قليلة جدا كآيتي
المواريث في سورة النساء ودونها الآية التي في آخرها، وآية الوضوء وآية
الوصية في السفر من سورة المائدة [4] وما عدا ذلك من آيات السور السبع الطول
والمئين معتدل بين الطول والقصر، ومنها المكي والمدني، وإنما تكثر الآيات
القصيرة في قسم المفصل من القرآن لحكمتين: (أولاهما) أن أكثره وعظ وزجر
وعبر، وسوره أكثرها مكي، وهو المناسب لمقتضى الحال في مكة وأهلها لما كان
عليه أكابر أهلها في جحودهم وعنادهم وطول باعهم في البلاغة، لا لانحطاط
بيئتهم وسذاجتهم كما زعم، فإنهم كانوا أرقى العرب ذكاء ونباهة وبلاغة [5] .
(وثانيتهما) أنه أكثر ما يتلى في الصلوات فرضها ونفلها، طويلها
وقصيرها، فالمناسب أن تكون آياته قصيرة وسوره قصيرة أو متوسطة ليكون كل
ما يقرأ منها مستقلا بالفائدة المتدبرة، والطاعن يجهل كل هذا على ظهوره؛ لأن
درس التفسير وحكمة القرآن لم يكن مما يعنى به.
ومن هذه المطاعن ما سببه الجهل بفنون البلاغة أو الغفلة عنها أو تقليد
الإفرنج، وهو ما عبر عنه بتقطع الفكرة واقتضاب المعاني، وقد سبقه إليه مستر
سايل وغيره، ولا يتسع هذا المقام لبيانه.
أخلاق النبي وأفعاله قبل الهجرة وبعدها:
تكلف النقاد من الإفرنج قبله أن يجدوا فرقا بين السور المكية والمدنية وبين
أخلاق النبي وأحواله في مكة؛ إذ كان فقيرا ضعيفا، ثم في المدينة بعد أن صار
غنيا قويا، وما كان شرعه في البلدين إلا شرعا في إبطال الباطل وإحقاق الحق،
وتقرير قواعد الإصلاح وإقامة ميزان العدل، وما كان في الحالين إلا مثلا في
الخلق والعلم (والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل) وما كان مكي القرآن