تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مقدمتنا لتصدير كتاب

نقض مطاعن في القرآن الكريم

للأستاذ الفاضل الشيخ محمد عرفة

وكيل كلية الشريعة بالأزهر والمدرس فيها

{إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من

بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت: 41-42) ، {قل هو

للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك

ينادون من مكان بعيد} (فصلت: 44) .

إن من أكبر مصائب الأمة الإسلامية أن يبلغ بها الهوان في أكبر أمصارها

وأشهرها بالعلم، وأرجاها للحياة، أن تعلم أفرادا من نابتتها من العلم ما ترجو أن

يكونوا به جندا لها ينصرها على من يهاجمها من الأعداء في دينها وشرفها وأدبها،

فينقلبوا أنصارا لأعدائها، ويهاجموها في أمنع معاقلها وحصونها، ويحاولوا هدم ما

لم تكن لولاه شيئا مذكورا، وإنما به كانت أمة عزيزة شديدة القوى، مرجوة الندى،

مرهوبة الشذا، ذات هداية عليا، وتشريع عادل، وحضارة زاهية به دانت لها

الأمم الكثيرة، وبه نالت الإمامة والملك، ثم يوجد من حكامها ووزرائها من يكرمهم

ويأتمنهم على تربية نشئها، وتعليمه بلغتها، ما هو شر من تعليم المجاهرين

بعداوتها، الذين يدعونها إلى الخروج عن دينها، ليتم لهم إخضاعها لسلطان أجنبي،

بغير منازع وجداني.

كان أجرأ هؤلاء العققة [1] كاتب بدأ تعليمه في الأزهر في الجامعة المصرية

في أول العهد بإنشائها، وصحب في هذا العهد من لقح ذهنه بالإلحاد، ثم أرسلته

الجامعة إلى فرنسة ليدرس أدب اللغات فيها، فغذت فرنسة ذلك اللقاح بما ظهر أثره

في العمل؛ إذ عاد إليها فجعل من أساتيذها ثم عميدا لكلية الآداب فيها، وهو أستاذه

الأول في أفكاره، والمركس له في تياره.

حذق في صناعة الكتابة، فكان فيها ذا رشاقة خلابة، ألف كتبا وأنشأ مقالات

دس في بعضها سموم الإلحاد، وفي بعض آخر مخدرات الإباحة والإغراء

بالشهوات، فنهد للرد عليه فريق من العلماء والأدباء، حتى ضج في الشكوى منه

مجلس النواب في عهد رياسة سعد باشا زغلول فأوشك أن ينتقم منه، ورفع أمره

إلى القضاء فكاد يقضي عليه، بيد أن أنصاره الأقوياء من كبار الوزراء آزروه

وظاهروه حتى أنقذوه. ثم قدر الله تعالى أن تخرجه وزارة المعارف من الجامعة في

العام الماضي في إثر حملة شديدة جديدة في مجلس النواب، أظهرت للأمة من

جنايته على طلبة كلية الآداب فيها ما يرى القراء نقضه في هذا الكتاب.

سر جميع أهل الغيرة على الدين بإخراجه من الجامعة، وإنه ليسرهم أن

يسمعوا اليوم من الأزهر الشريف صوتا جهوريا في نقض ما أذاعه مجلس النواب

من طعن هذا الكاتب على القرآن العظيم، صوت عالم أزهري، وأديب عصري،

وكاتب مجيد غير سياسي، ينقض هذه المطاعن الأخيرة، وأن يصدر نقضه لها

عن دار المنار، التي أسست من أول يوم لخدمة الإسلام، فكلانا بريء من سياسة

الأحزاب فلا نحن من أحزاب الحكومة ولا من أحزاب المعارضين لها، ولا من

خصومهم ولا من خصومها، وإنما ننصر ديننا، ابتغاء مرضاة ربنا، فيما يجب

علينا لأمتنا ودولتنا.

ونتمنى لو يصرح هذا الطاعن بأن جميع ما صدر عنه من الطعن على القرآن

قولا في الدرس، وكتابة في الطرح، كان باطلا، وأنه رجع عنه وتاب منه. وأنه

يؤمن بأن القرآن كلام الله كله حق ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ (فصلت: 42) فإن ما نقل عنه من أنه قال: إنه يؤمن بالله ورسله لا يكفي في

صحة توبته مما ذكر، على أن هذه المطاعن التي ألقاها في دروسه كانت بعد تلك

الكلمة التي كان سببها تحقيق النيابة العامة معه في مطاعن كتابه (في الشعر

الجاهلي) .

اختار الأستاذ صاحب هذا النقض للمطاعن الأخيرة أن يطبعه في مطبعة دار

المنار لأنها أحق به، وأجدر بنشره، بل رغب إلي أن أشركه في أجره، بالوقوف

على تصحيحه، وبما يعن لي من تعليق عليه، وبمقدمة تصدير له، فأقرن كلمه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٨١