ومن فروعها ما جرى عليه الدكتور طه حسين في محاضراته الأخيرة في
شعر أبي تمام والبحتري وابن الرومي، فقد تمحل فيما حاوله تبعا لغيره من إثبات
نسب أعجمي لبعض هؤلاء الشعراء وغيرهم، وتمييز شاعريتهم عن غيرها من
شاعرية أقرانهم، بتأثير الوراثة الأعجمية في عقولهم ومخيلاتهم، في إثبات
الأنساب الأعجمية لبعض هؤلاء الشعراء نظر تاريخي ظاهر، وأضعف دلائله
الأسماء والألقاب، والنسبة إلى البلاد، ولكن النظر في إثبات الوراثة الأعجمية في
شعرهم أقوى وأظهر، فقد أتى على جيل الروم قرون كثيرة لم ينبغ فيها فيلسوف
ولا شاعر يقرن بشعراء العرب في جاهليتهم فضلا عن شعراء حضارتهم، على أن
ملكة الشعر لم تكن شائعة منتشرة في الروم كالعرب فيرثها أكثر من كان من سلائلهم،
وإن بعدت من عهد علمهم وحضارتهم.
إذا تمهد هذا أقول:
نقد كتاب الإفرنج للقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ومقلدهم المسلم:
إن كتاب الإفرنج من دعاة النصرانية والملاحدة قد وضعوا القرآن المجيد
الحكيم والنبي الأمي الصادق الأمين على مشرحة النقد التحليلي، وأعملوا فيهما
مداهم ومباضعهم، وآلات التحليل عندهم، اتباعا لقواعدهم وأصولهم التي أشرنا
إليها، فكان عاقبة ذلك أن آمن من كان سليم الفطرة منهم غير جامد على الأفكار
المادية بنبوة محمد ورسالته، وكون القرآن كلام الله تعالى ووحيه إليه صلى الله
عليه وسلم، وتمحل بعضهم من التعليل والتأويل للمعجزات والآيات العلمية ما رآه
أقرب للجمع بين المعتاد والمعهود في استعداد البشر العقلي والروحي وسنن
الاجتماع، وما ثبت في تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم مما هو من خوارق
العادات، مع اجتناب المبالغة في ذم ولا مدح كموسيو مونتيه [3] ومنهم من عرضه
في قالب المدح بمثل ما شرحه كارليل في كتابه (حياة محمد) عليه الصلاة والسلام.
وأصر الفريق الثالث على افتراء الكذب والبهتان، وأعني بهذا الفريق دعاة
الكنيسة، وأعوانهم من رجال السياسة.
فأما رجال هؤلاء الطعانون المفترون، فالباعث لهم على عملهم خدمة ملتهم
ودولهم، وجهاد أقوى عدو لتعاليم كنائسهم وعظمتها على قاعدتهم المشهورة عنهم
بلفظ (الغاية تبرر الواسطة) يعنون أن الجريمة التي تكون وسيلة إلى مقصد حسن
- كالكذب - تكون بهذه النية من أعمال البر الشريفة، وهم مأجورون عليه من
جمعيات كنائسهم في الدنيا، والمؤمن منهم بكنيسته وقاعدتها المذكورة يرجو على
عمله ثواب الآخرة ودخول الملكوت.
وأما أولئك الناقدون من علمائهم المستقلي العقل مادحهم وقادحهم فإنهم رأوا
أنفسهم تجاه أعظم حادث في تاريخ البشر: رجل أمي ظهر في قوم أميين مشركين
من أبعد الشعوب عن الحضارة، وهداية الديانة، والتشريع والفتح وسياسة الشعوب،
جاءهم بكتاب فاق جميع كتب الأنبياء والحكماء في عبارته وهدايته، فجمع به
وعليه كلمتهم المتفرقة، وألف بين قلوبهم على ما كان من إحنة وضغن، وهذب
طباعهم على كبر السن ففتحوا العالم وصاروا أئمة أمم الحضارة وسادتها وملوكها،
كتاب معجز بأسلوبه ونظمه وعلمه، ونبي ذو معجزات في نفسه وأخلاقه وأعماله
وأمته، لا جرم أن هذا الحادث التاريخي الأعظم يحتاج إلى فهم ونقد وتعظيم وإكبار.
مع تكلف إدماجه في المعتاد من كبار العقول وأعلياء الهمم من الناس.
وأما مدرس الأدب المسلم في الجامعة المصرية التي أسستها الأمة المصرية
المسلمة بأموال أغنيائها وأوقافها، وكفلتها الدولة المصرية الإسلامية، فما الباعث
له على الطعن في نبيه الكريم، وكتاب ربه العلي العظيم، وجعل الطعن عليهما
درسا في الأدب يلقح به أذهان طلبة كلية الآداب مصرحا فيه (بأن الباحث الناقد
والمفكر الجريء لا يفرق بين القرآن وبين أي كتاب أدبي آخر) والمفروض أنه
مؤمن بأن القرآن كلام الله ووحيه، فلا يدخل في عموم تلك القواعد الموضوعة