يقولون بهذا حتى الذي يعذرون بعض المخالفين له بالتأويل على قاعدتهم فيمن
يخالف بعض ظواهر القرآن والسنة الصحيحة عندهم متأولا.
ولا يصح بوجه من الوجوه أن يفسر لفظ الشيعة في الحديث على فرض
صحته بمذهب ديني فإن أساس الدين الإلهي الوحدة والاتفاق في جميع العقائد
والمقاصد والأصول القطعية، والله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {إن الذين
فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (الأنعام: 159) الآية، فالشيع
في الدين باطلة، والرسول صلى الله عليه وسلم بريء منها بنص القرآن فكيف
يكون هو الواضع لأصولها.
كذلك لا يصح أن يكون الغلاة في علي وأولاده وأحفاده عليهم السلام من
شيعته، ولو بالمعنى الأعم؛ لأن الغلو في دين الله مذموم في كتاب الله وعلى لسان
رسوله صلى الله عليه وسلم وقد روي عنه في نهج البلاغة وغيره أنه قال: (هلك
في رجلان: محب غال، ومبغض قال) ، ولا شك في أن من أقبح الغلو فيه أن
يقول: إن دين الله الإسلام لم يكن لولا سيفه إلا
......
ولا نحب أن نتوسع في بيان
غلو من يبرءون أنفسهم من الغلو ويخصون به من اتخذوه إلها، على أن الشيعة
الإمامية يعدون منهم خلفاء مصر العبيديين كما شهد لهم عميدها الشريف الرضي،
وهم الذين يقول شاعر المعز منهم فيه:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
دع دعايتهم الإلحادية التي فصلها المقريزي في خططه. وقال فيهم حجة
الإسلام الغزالي: ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض، فهل هذا كله مما
وضعه النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الشيعة؟
وخلاصة الخلاصة أن ما نقله مجتهدهم من الروايات لإثبات أصل مذهب
الشيعة لا يصح أن يثبت بها أي مسألة من الفروع العملية كالطهارة والنجاسة والبيع
والإجارة، وأنها لا تدل على شيء من أصول هذا المذهب، في عصمة الأئمة وفي
الإمامة وفي تحكيم الآراء العقلية في العقائد الدينية ولا من فروعه، كذلك لا يصح
شيء مما قاله في عد بعض الصحابة وغيرهم من أتباع هذا المذهب، وليس من
غرضنا أن نتكلم في المذهب نفسه، ولا في فرق الشيعة من غلاة، وهم درجات
من باطنية وظاهرية ومن معتدلين كالزيدية. فإن الخوض في هذا كان أكبر
المصائب الممزقة للأمة الإسلامية. ولا يزال الذين يثيرونها لأجل المحافظة على
جاههم ومنافعهم أشد الناس جناية عليها، وإن سخر بعضهم منها بزعمه الدعوة إلى
التأليف بين فرقها، وجمع كلمتها. وما هو إلا داع إلى مذهبه، مضلل لمتبعي
غيره، وهذا هو التفريق بعينه:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">