تحدي العالم بتعاليم الوحي المحمدي
تلك عقائد دين محمد، وقواعد تشريعه، وأصول إصلاحه الاجتماعي
والسياسي، مسرودة بالإجمال، مؤيدة بشواهدها من آيات القرآن، مجردة من حلل
المبالغات الخطابية، وعاطلة من حلي الخلابة الشعرية، ونحن المسلمين نتحدى
الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم، ولا سيما أحرار الإفرنج، بأن يأتونا بمثلها أو
بما يقرب منها من تاريخ أعظم الأنبياء، وأشهر الحكماء، وأبلغ الأدباء، وأنبغ
ساسة الأولين والآخرين، مع صرف النظر عن كونه كان كما شرحنا أميا نشأ في
الأميين، وجاء بذلك كله بعد استكمال سن الأربعين، وقد بينا الفرق العظيم بينه
وبين موسى وعيسى أعظم أنبياء بني إسرائيل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
(التنفيذ العملي)
وأما تنفيذه صلى الله عليه وسلم لهذه التعاليم فقد تم في عشر سنين من تاريخ
الهجرة الذي كان بدء حياة الحرية، وقد ظل يدعو إلى أصولها المجملة عشر سنين
أولا بالسر، ثم بالجهر، مع احتمال الاضطهاد والإيذاء والتعذيب والتهديد بالقتل
والنفي، الذي اضطر المؤمنين إلى هجرة بعد هجرة، وبعد الهجرة العامة بالتبع له،
كانوا في حالة حرب وقتال مع المشركين كافة، وكذا أهل الكتاب وكان صلى الله
عليه وسلم عقد معهم معاهدة بتأمينهم على دينهم وأنفسهم وأموالهم بشرط ألا
يظاهروا المشركين عليه، فنقضوا عهده، وظل المسلمون مدة ست سنين مدافعين
عن أنفسهم في كل قتال دفاع الضعيف المؤيد من الله للأقوياء المخذولين، وفي
أواخر السادسة عقد معاهدة الحديبية مع المشركين على وضع القتال عشر سنين،
ثم غدر المشركون ونقضوا العهد، فعادت حالة الحرب، وفتح المسلمون مكة
عاصمة قريش الدينية والدنيوية، ومثابة جميع الأمة العربية في سنة ثمان من
الهجرة، وحج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع في آخر سنة عشر، وأنزل
الله تعالى عليه فيها: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
الإسلام دينا} (المائدة: 3) .
ففي عشر سنين وقع توحيد الأمة العربية التي كانت أعرق أمم الأرض في
الشقاق والتفرق والعداء، وإنما كان ذلك بتأثير كتاب الله وتأييده عز وجل لرسوله
كما قال: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في
الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (الأنفال: