تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومدنيه إلا سواء في البلاغة المثلى على ما قيل في تعريفها من مطابقة الكلام

لمقتضى الحال، وعلى ما نقول من أنها عبارة عن بلوغ المتكلم به ما يريد من إصابة

موقع الإقناع من العقل، والوجدان في القلب.

﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ (هود: 1) {الله

نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} (الزمر: 23)

فكان مقتضى الحال في مكة - وأهلها مشركون منكرون للبعث، مستكبرون

بما لهم من الثروة والرياسة في العرب، في الذروة من بلاغة اللسان، ولوذعية

الأذهان، وجرأة الجنان أن يخاطبوا بالنذر القارعة، والحجج الصادعة، بأبلغ

العبارات، وأفصح البينات، في الدعوة إلى التوحيد وأصول الدين، وقواعد

التشريع، وعقائل الفضائل، وهو ما ألممت ببيانه في مقدمة الطبعة الثانية للمجلد

الأول من المنار، التي كانت في سنة 1327ه إذ قلت:

(قد اقتبسنا أسلوب الإجمال قبل التفصيل وقرع الأذهان بالخطابيات

الصادعة من القرآن الحكيم، فإن أكثر السور المكية، ولا سيما المنزلة في أوائل

البعثة قوارع تصخ الجنان، وتصدع الوجدان، وتفزع القلوب إلى استشعار الخوف،

وتدع العقول إلى إطالة الفكر، في الخطبين الغائب والعتيد، والخطرين القريب

والبعيد، وهما عذاب الدنيا بالإبادة والاستئصال، أو الفتح الذاهب بالاستقلال

وعذاب الآخرة، وهو أشد وأقوى، وأنكى وأخزى، بكل من هذا وذاك، أنذرت

السور المكية أولئك المخاطبين إذا أصروا على شركهم، ولم يرجعوا بدعوة الإسلام

عن ضلالهم وإفكهم، ويأخذوا بتلك الأصول المجملة، التي هي الحنيفية السمحة

السهلة، وليست بالشيء الذي ينكره العقل، أو يستثقله الطبع، وإنما ذلك تقليد

الآباء والأجداد، بصرف الناس عن سبيل الهدى والرشاد.

(راجع تلك السور العزيزة ولا سيما قصار المفصل منها ك {الحاقة * ما

الحاقة *} (الحاقة: 1-3) ، و ﴿القارعة * ما القارعة﴾ (القارعة: 1-2) ،

و ﴿إذا وقعت الواقعة﴾ (الواقعة: 1) ، و ﴿إذا الشمس كورت﴾ (التكوير: 1) ،

و ﴿إذا السماء انفطرت﴾ (الانفطار: 1) ، و ﴿إذا السماء انشقت﴾ (الانشقاق

: 1) ، و ﴿والذاريات ذروا﴾ (الذاريات: 1) ، و ﴿والمرسلات عرفا﴾ (المرسلات: 1) ، و ﴿والنازعات غرقا﴾ (النازعات: 1) .

تلك السور التي كانت بنذرها، وفهم القوم لبلاغتها وعبرها، تفزعهم من

سماع القرآن، حتى يفروا من الداعي صلى الله عليه وسلم من مكان إلى مكان:

﴿كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة﴾ (المدثر: 50-51) {ألا إنهم يثنون

صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} (هود: 5) ثم ارجع إلى السور المكية الطوال، فلا تجدها تخرج في الأوامر

والنواهي عن حد الإجمال، كقوله عز وجل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه

وبالوالدين إحسانا} (الإسراء: 23) إلى الآية 37 منها، وقوله بعد إباحة الزينة

وإنكار تحريمها وتحريم الطيبات من الرزق: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما

ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به

سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (الأعراف: 33) .

***

قصص القرآن ومزاياها،

والتشريعان الإسلامي والإسرائيلي

هذا ومما امتازت به السور المكية قصص الرسل عليهم السلام مع أقوامهم وما

في معانيها من أصول دين الله العام، ومن بيان سننه تعالى في الأقوام، ومن العبر

والمواعظ في التهذيب، ونزاهتها من كل ما يخل بالآداب، ومن سوء القدوة في

الأخلاق والأعمال، وهي تفضل بذلك كله قصص التوراة كما فصلناه في تفسير

المنار، وكذلك تفضلها وتفضل سائر كلام البشر بما في نظم عباراتها، واختلاف

أساليبها، من روعة البلاغة ودلائل الإعجاز الخاصة بها، وناهيك بإيرادها في

بعض السور بمنتهى الإيجاز والاقتصار على موضع العبرة، وفي بعضها بالإسهاب

والبسط المشتمل على كثير من أصول الهداية وسنن الاجتماع وأمهات الفضائل،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٨٦